فصل: تفسير الآيات رقم (246- 248)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏233‏]‏

‏{‏وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏233‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة‏}‏ ‏{‏يُرْضِعْنَ أولادهن‏}‏‏:‏ خبر معناه الأمرُ على الوجوب لبَعْضِ الوالداتِ، وعلى الندْبِ لبعضهنَّ، فيجب على الأمِّ الإِرضاع، إِن كانَتْ تحت أبيه، أو رجعيَّةً، ولا مانع من عُلُوِّ قدْرٍ بغير أجر، وكذلك إِن كان الأبُ عديماً، أو لم يقبلِ الولَدُ غيرها‏.‏

وهذه الآياتُ في المطلَّقات جعَلَها اللَّه حدًّا عند اختلاف الزوجَيْن في مدَّة الرَّضَاع، فمَنْ دعا منهما إِلى إِكمالِ الحَوْلَيْنِ، فذلك له‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة‏}‏ مبنيٌّ على أن الحولَيْن ليسا بفَرْض، لا يُتَجَاوَزُ، وانتزع مالِكٌ- رحمه اللَّه- وجماعةٌ من العلماء من هذه الآيةِ؛ أنَّ الرضاعةَ المحرِّمة الجاريةَ مَجْرى النَّسَبِ، إِنما هي ما كان في الحولَيْن؛ لأنَّ بانقضاء الحولَيْنِ، تمَّتِ الرَّضَاعة، فلا رضَاعَة‏.‏

* ت *‏:‏ فلو كان رضاعُه بعد الحولَيْن بمدَّة قريبة، وهو مستمرُّ الرضاعِ، أو بعد يومَيْن من فِصَالِهِ- اعتبر، إِذ ما قارب الشيْءَ فله حكمه‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الاية‏:‏ المولودُ له‏:‏ اسم جنْسٍ، وصنْفٌ من الرجال، والرِّزْقُ في هذا الحكم‏:‏ الطعامُ الكافِي‏.‏

وقوله‏:‏ «بالمَعْرُوفِ» يجمع حُسْن القَدْر في الطعام، وجَوْدَةَ الأداء له، وحُسْنَ الاقتضاء من المرأةِ‏.‏

ثم بيَّن سبحانه؛ أنَّ الإِنفاق على قدر غِنَى الزوْجِ بقوله‏:‏ ‏{‏لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا‏}‏، وقرأ أبو عمرو، وابن كَثِيرٍ، وأبانُ عن عاصمٍ‏:‏ «لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ»؛ بضم الراء، وهو خبر، معناه الأمر، ويحتمل أن يكون الأصلُ‏:‏ لاَ تُضَارِرُ؛ بكسر الراءِ الأولى، ف «وَالِدَةٌ» فاعلةٌ، ويحتمل بفَتْح الرَّاء الأولى، ف «وَالِدَةٌ»‏:‏ مفعولٌ لم يسمَّ فاعله، ويعطف «مولود له» على هذا الحدِّ في الاحتمالين، وقرأ نافعٌ، وحمزةُ، والْكسَائِيُّ، وعاصمٌ‏:‏ لاَ تُضَارَّ؛ بفتح الراء، وهذا على النهْيِ، ويحتمل أصله ما ذكرنا في الأولى، ومعنى الآية في كلِّ قراءة‏:‏ النهْيُ عن الإِضرار، ووجوهُ الضَّرَرِ لا تنحصرُ، وكل ما ذُكِرَ منْها في التفاسير، فهو مثالٌ‏.‏

* ت *‏:‏ وفي الحديثِ‏:‏ ‏"‏ لاَ ضَرَرَ، وَلاَ ضِرَارَ ‏"‏، رواه مالكٌ في «الموطإ» مرسلاً‏.‏

قال النوويُّ في «الحِلْية»‏:‏ ورويناه في «سُنَن الدَّارَقُطْنِيِّ» وغيره من طرقٍ متصلاً، وهو حسن انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك‏}‏ قال مالكٌ، وجميع أصحابه، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وجماعةٌ من العلماء‏:‏ المرادُ بقوله‏:‏ ‏{‏مِثْلُ ذلك‏}‏‏:‏ أَلاَّ يُضَارَّ، وأمَّا الرزقُ، والكُسْوة، فلا شيء علَيْه منه، قال‏:‏ * ع *‏:‏ فالإِجماع من الأُمَّة في ألاَّ يُضَارَّ الوارثُ، وإِنَّما الخلافُ، هل عليه رزقٌ وكُسْوَة أم لا‏؟‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أي‏:‏ فإِن أراد الوالَدانِ، وفِصَالاً‏:‏ معناه‏:‏ فِطَاماً عن الرَّضَاع‏.‏

وتحرير القول في هذا‏:‏ أن فَصْله قَبْل الحولَيْن لا يصحُّ إلا بتراضيهما وألاَّ يكونَ على المولودِ ضَرَرٌ، وأمَّا بعد تمامهما، فمن دعا إِلى الفَصْل، فذلك له إِلاَّ أن يكون في ذلك علَى الصبيِّ ضَرَرٌ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم‏}‏ مخاطبة لجميعِ النَّاسِ، يجمع الآباءَ والأمهاتِ، أي‏:‏ لهم اتخاذُ الظِّئْر، مع الاتفاقِ على ذلك، وأما قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا سَلَّمْتُم‏}‏، فمخاطبةٌ للرجال خاصَّة إِلا عَلَى أحد التأويلَيْن في قراءة مَنْ قرأ‏:‏ «أُوتِيتُمْ»، وقرأ السِّتَّة من السبعةِ‏:‏ «آتَيْتُمْ»؛ بالمدِّ؛ بمعنى أَعْطَيْتم، وقرأ ابن كثير‏:‏ «أَتَيْتُمْ»؛ بمعنى‏:‏ فعلتم؛ كما قال زُهَيْرٌ‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

وَمَا كَانَ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا *** تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبائِهِمْ قَبْلُ

فأحد التأويلين في هذه القراءة كالأول، والتأويل الثَّاني لقتادَةَ، وهو إِذا سلَّمتم ما آتيتم من إِرادة الاِسترضاع، أيْ‏:‏ سلم كلُّ واحدٍ من الأبوين، ورضي، وكان ذلك عَلَى اتفاقٍ منهما، وقَصْدِ خَيْرٍ، وإِرادةِ مَعْروفٍ، وعلى هذا الاِحتمال يدخلُ النساءُ في الخطاب‏.‏

* ت *‏:‏ وفي هذا التأويل تكلُّف‏.‏

وقال سفيانُ‏:‏ المعنى‏:‏ إِذا سلَّمتم إِلى المستَرْضعة، وهي الظِّئْر أَجْرَها بالمَعْروف‏.‏

وباقي الآية أمْرٌ بالتقْوَى، وتوقيفٌ على أن اللَّه تعالى بصيرٌ بكلِّ عمل، وفي هذا وعيدٌ وتحذيرٌ، أي‏:‏ فهو مُجازٍ بحَسَبِ عَمَلِكُم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏234‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ‏(‏234‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ‏}‏ هذه الآيةُ في عدَّة المتوفى عنها زوجُها، وظاهرها العمومُ، ومعناها الخصوصُ في الحرائرِ غيْرِ الحَوَامِلِ، ولم تعن الآية لما يشذُّ من مرتابةٍ ونحوها، وعدَّة الحَامِلِ‏:‏ وضْعُ حملها؛ عند الجمهور‏.‏

ورُوِيَ عن عليٍّ، وابن عبَّاس‏:‏ أقصَى الأجلَيْن، وَيَتَرَبَّصْنَ‏:‏ خبر يتضمَّن معنى الأمر، والتربُّص‏:‏ الصبْر والتأنِّي‏.‏

والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم متظاهرة أن التربُّص بإِحْدَادٍ، وهو الامتناع عن الزينة، ولُبْس المَصْبُوغ الجميلِ، والطِّيب، ونحوه، والتزامِ المَبِيتِ في مَسْكنها؛ حيث كانَتْ وقت وفَاة الزَّوْج، وهذا قولُ جمهورِ العُلَماء، وهو قولُ مالكٍ، وأصحابه، وجعل اللَّه تعالى ‏{‏أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا‏}‏ عبادةً في العِدَّة فيها استبراء للحَمْل؛ إِذ فيها تكمل الأربعون، والأربعون، والأربعون؛ حسب الحديثِ الَّذي رواه ابن مَسْعود وغيره، ثم ينفخ الرُّوحُ، وجعل تعالى العَشْر تكملةً؛ إِذ هي مَظِنَّةٌ لظهورِ الحركةِ بالجنينِ، وذلك لنقْصِ الشهور، أو كمالها، أو لسُرْعة حركةِ الجنين، أو إِبطائها‏.‏

قاله ابن المُسَيِّب، وغيره‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَعَشْرًا‏}‏؛ تغْليباً لحكْم الليالِي، وقرأ ابن عَبَّاس‏:‏ «وَعَشْرَ لَيَالٍ»، قال جمهور العلماء‏:‏ ويدخل في ذلك اليَوْمُ العَاشِر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بالمعروف والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏‏:‏ ‏{‏فِيمَا فَعَلْنَ‏}‏‏:‏ يريدُ به التزوُّجَ، فما دونَهُ من زينةٍ، واطراح الإِحداد؛ قاله مجاهد وغيره، إِذا كان مَعْرُوفاً غيْرَ منكر‏.‏

قال‏:‏ * ع *‏:‏ ووجوه المُنْكَر كثيرةٌ، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ‏}‏ وعيدٌ يتضمَّن التحذيرَ، و‏{‏خَبِيرٌ‏}‏‏:‏ اسم فاعلٍ مِن «خَبَرَ»، إِذا تَقَصَّى علْم الشيء‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏235‏]‏

‏{‏وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏235‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تصريحُ خطبةِ المعتدَّة حرامٌ، والتعريضُ جائزٌ، وهو الكلام الذي لا تصريحَ فيه، ‏{‏أَوْ أَكْنَنتُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ سترتم، وأخفيتم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏سَتَذْكُرُونَهُنَّ‏}‏ قال الحَسَن‏:‏ معناه‏:‏ ستخطُبُونَهُنَّ، وقال غيره‏:‏ معناه‏:‏ علم اللَّه أنكم ستذكُرونَ النِّسَاء المعتدَّاتِ في نفوسكم وبألسنتكُمْ، فنهى عن أنْ يوصل إِلى التواعُدِ معَهُنَّ‏.‏

* ع *‏:‏ والسرُّ، في اللغة‏:‏ يقع على الوَطْء حلالِهِ وحرامِهِ، والآية تعطي النهْيَ عن أنْ يواعد الرجُلُ المعتدَّةَ؛ أن يطأها بعد العدَّة بوجْه التزويجِ، وقال ابن جُبَيْر‏:‏ ‏{‏سِرًّا‏}‏، أيْ‏:‏ نكاحاً، وهذه عبارة مخلصة‏.‏

وأجمعتِ الأمة على كراهةِ المواعَدَةِ في العدَّةِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا‏}‏ استثناءٌ منقطعٌ، والقولُ المعروف هو ما أبيح من التعريض؛ كقول الرجُل‏:‏ إِنَّكم لأَكْفَاءٌ كِرَامٌ، وما قُدِّرَ كَانَ، ونحو هذا‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ‏}‏‏:‏ عزمُ العقدةِ‏:‏ عَقْدها بالإِشهاد، والوليِّ، وحينئذ‏:‏ تسمى عُقْدة‏.‏

* ت *‏:‏ والظاهر أن العَزْم غَيْرُ العقد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ‏}‏‏:‏ يريد تمام العدَّة، والكتاب هنا هو الحدُّ الذي جُعِل، والقَدْر الذي رُسِمَ من المدَّة، وقوله‏:‏ ‏{‏واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فاحذروه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تحذيرٌ من الوقوع فيما نهى عْنه، وتوقيفٌ على غَفْره وحِلْمه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏236- 237‏]‏

‏{‏لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ‏(‏236‏)‏ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ‏(‏237‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً‏}‏ هذا ابتداءُ إِخبارٍ برفع الجُنَاحِ عن المُطَلِّق قبل البِنَاءِ والجِمَاعِ، فَرَض مَهْراً أو لم يَفْرِضْ، ولمَّا نهى رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عن التزوُّج لمعنَى الذَّوْقِ، وقضَاءِ الشَّهْوةِ، وأمر بالتزوُّج، طلباً للعصْمَة، والتماس ثَوَابِ اللَّهِ، وقَصْدِ دوامِ الصُّحْبَةِ، وقع في نُفُوسِ المؤمنِينَ؛ أنَّ من طلَّق قبل البناء قد واقع جزءاً من هذا المكروه، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ في ذلك، إِذا كان أصْل النَّكاح علَى المَقْصِد الحَسَن‏.‏

وقال قَوْمٌ‏:‏ ‏{‏لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ لا طَلَبَ لجميعِ المَهْر، بل عليكُمْ نصْفُ المفروض لِمَنْ فرض لها، والمتعةُ لمن لم يُفْرَضْ لها، وفَرْضُ المهرِ‏:‏ إثباتُه، وتحديدُهُ، وهذه الآية تُعْطِي جوازَ العَقْد على التفْويض؛ لأنه نكاحٌ مقرَّر في الآية، مُبَيَّنٌ حكْمُ الطلاق فيه؛ قاله مالك في «المدوّنة»‏.‏

والفريضَةُ‏:‏ الصداق‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَتِّعُوهُنَّ‏}‏‏.‏ أي‏:‏ أعطوهنَّ شيئاً يكون متاعاً لهنَّ، وحمله ابن عُمَر وغيره على الوجُوبِ، وحمله مالكٌ وغيره على الندْبِ، واختلف النَّاس في مقدارِ المُتْعة، قال الحَسَن‏:‏ يمتَّع كلٌّ على قدْره، هذا بخادم، وهذا بأثوابٍ، وهذا بثوبٍ، وهذا بنفقةٍ، وكذلك يقول مالك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ‏}‏‏:‏ دليلٌ على رفض التحديد، والمُوسِعُ‏:‏ أي‏:‏ من اتسع حالُه، والمُقْتِر‏:‏ المقلُّ القليلُ المالِ، و‏{‏متاعا‏}‏‏:‏ نصبٌ على المصدر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بالمعروف‏}‏، أي‏:‏ لا حمل فيه، ولا تكلُّف على أحد الجانبَيْنِ، فهو تأْكيدٌ لمعنى قوله‏:‏ ‏{‏عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ‏}‏، ثم أكَّد تعالى الندْبَ بقوله‏:‏ ‏{‏حَقًّا عَلَى المحسنين‏}‏، أي‏:‏ في هذه النازلةِ من التمتيعِ هُمْ محسِنُون، ومن قال؛ بأنَّ المتعةَ واجبةٌ، قال‏:‏ هذا تأكيدٌ للوجوب، أي‏:‏ على المحسنينَ بالإِيمان والإِسلام، و‏{‏حَقًّا‏}‏‏:‏ صفةٌ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏متاعا‏}‏‏.‏

* ت *‏:‏ وظاهر الآيةِ عمومُ هذا الحكْمِ في جميع المطلَّقات؛ كما هو مذهبُ الشافعيِّ، وأحمد، وأصحاب الرأْي، والظاهرُ حمل المُتْعَة على الوجوبِ؛ لوجوه، منها‏:‏ صيغةُ الأمر، ومنها‏:‏ قولُه‏:‏ ‏{‏حَقًّا‏}‏، ومنْها‏:‏ لفظةُ «على»، ومنها‏:‏ من جهة المعنى‏:‏ ما يترتَّب على إِمتاعها من جَبْر القلوبِ، وربَّما أدى ترك ذلك إِلى العَدَاوة والبَغْضاء بَيْن المؤمنين، وقد مال بعضُ أئمَّتنا المتأخِّرين إِلى الوجوب‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ اختلف في هذه الآية، فقالتْ فرقةٌ، فيها مالك‏:‏ إِنها مُخْرِجَةٌ للمطلَّقة بعد الفَرْض من حُكْم التمتيعِ؛ إِذ يتناولها‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَتِّعُوهُنَّ‏}‏‏:‏ وقال قتادةُ‏:‏ نَسَخَتْ هذه الآيةُ الآيةَ الَّتي قبلها، وقال ابن القاسِمِ في «المدوَّنة»‏:‏ كان المتاعُ لكلِّ مطلَّقة؛ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وللمطلقات متاع بالمعروف‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 241‏]‏، ولغير المدخولِ بها بالآيةِ الَّتي في سورة «الأحزاب»، فاستثنى اللَّه سبحانَهُ المَفْرُوضَ لها قَبْل الدخولِ بهذه الآية، وأثبت لها نصْفَ ما فَرَضَ فقَطْ، وزعم زيْدُ بْنُ أسْلَم؛ أنها منسوخة، حكى ذلك في «المدوَّنة» عن زيد بن أسْلَم زعْماً‏.‏

وقال ابن القاسِمِ‏:‏ إنها استثناءٌ، والتحرير يردُّ ذلك إِلى النسخ الَّذي قال زيْدٌ؛ لأنَّ ابْنَ القاسِمِ قال‏:‏ إِن قولَه تعالى‏:‏ ‏{‏وللمطلقات متاع‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 241‏]‏ عمَّ الجميعَ، ثم استثنَى اللَّه منْه هذه التي فُرِضَ لها قبل المَسِيسِ، وقال فريق من العلماء، منهم أبو ثَوْر‏:‏ المُتْعَة لكلِّ مطلَّقة عموماً، وهذه الآية إِنما بينت أن المفروض لها تأخُذُ نصْفَ ما فرض، أي‏:‏ مع مُتْعَتها، وقرأ الجمهورُ‏:‏ «فَنِصْفُ»؛ بالرفع، والمعنى‏:‏ فالواجبُ نصْفُ ما فرضْتُمْ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يَعْفُونَ‏}‏‏:‏ استثناء منقطعٌ، و«يَعْفُونَ»‏:‏ معناه‏:‏ يتركْنَ ويصفحْنَ، أي‏:‏ يتركْن النِّصْفَ الذي وجَبَ لهنَّ عند الزوْجِ، وذلك إِذا كانت المرأةُ تمْلِكُ أمْرَ نَفْسِها‏.‏

واختلف في المرادِ بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح‏}‏‏.‏

فقال ابن عَبَّاس، ومُجَاهدٌ، ومالكٌ، وغيرهم‏:‏ هو الوليُّ الذي المَرْأَة في حِجْره، وقالتْ فرْقَة‏:‏ الذي بيده عُقْدة النكاح هو الزَّوْج، فعلى القول الأول‏:‏ الندْبُ في النَّصْف الذي يجبُ للمرأة إِمَّا أن تعفو هي، وإِما أن يعفو وليُّها، وعلى القول الثَّاني‏:‏ إِما أنْ تعفو هي أيضاً؛ فلا تأخذَ شيئاً، وإِما أن يعفو الزوْجُ عن النِّصْفِ الذي يُحَطُّ، فيؤدّي جميع المَهْر، ثم خاطب تعالَى الجميعَ؛ نادباً بقوله‏:‏ ‏{‏وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى‏}‏، أي‏:‏ يا جميعَ الناسِ، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ‏.‏ وغيره‏:‏ «وَلاَ تَنَاسَوا الفَضْلَ»، وهي قراءةٌ متمكِّنة المعنى؛ لأنه موضع تناسٍ، لا نسيان إِلا على التشْبيه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل‏}‏‏:‏ ندْبٌ إِلى المجاملة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏ خَبَرٌ، وضمنه الوَعْد للمحسِنِ والحِرْمان لغير المُحسن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏238- 239‏]‏

‏{‏حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ‏(‏238‏)‏ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ‏(‏239‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الْخِطابُ لجميع الأمة، والآية أَمْر بالمحافظةِ عَلَى إِقامة الصَّلوات في أوقاتها، وبجميع شروطها، وخرَّج الطحاويُّ عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ تعالى وَيَدْعُوهُ، حتى صَارَتْ وَاحِدَةً، فامتلأ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَاراً، فَلَمَّا ارتفع عَنْهُ، أَفَاقَ، فَقَالَ‏:‏ عَلاَمَ جَلَدتَّنِي‏؟‏ قَالَ‏:‏ إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ومَرَرْتَ على مَظْلُومٍ، فَلَمْ تَنْصُرْهُ ‏"‏ انتهى من «التذْكِرَة» للقرطبيِّ‏.‏

وفي الحديثِ‏:‏ ‏"‏ أنَّ الصَّلاَةَ ثَلاَثَةُ أَثْلاَثٍ الطُّهُورُ ثُلُثٌ، وَالرُّكُوعُ ثُلُثٌ، وَالسُّجُودُ ثُلُثٌ، فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ ‏"‏ رواه النَّسَائِيّ‏.‏ انتهى من «الكوكب الدَّرِّيِّ»‏.‏

وروى مالكٌ في «الموطَّإ»، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ؛ أنه قال‏:‏ ‏"‏ بلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ، نُظِرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ، لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ ‏"‏ قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد»‏:‏ وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مسنَداً عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ وجوهٍ صِحَاحٍ، ثم أسند أبو عمر عن أنَسِ بنِ حكيمٍ الضَّبِّيِّ، قال‏:‏ قَالَ لِي أبو هُرَيْرة‏:‏ إِذا أَتَيْتَ أَهْلَ مِصْرِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ المُسْلِمُ صَلاَةُ المَكْتُوبَةِ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلاَّ قِيلَ‏:‏ انظروا، هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِسَائِرِ الأَعْمَالِ المَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ ‏"‏، وفي روايةِ تَمِيمِ الدَّارِيِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ بهذا المعنى‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ على حَسَبِ ذَلِكَ ‏"‏ انتهى‏.‏

وذكَرَ اللَّه سبحانه الصَّلاةَ الوسطى ثانيةً، وقد دَخَلَتْ قَبْلُ في عموم قوله‏:‏ «الصَّلَوَاتِ»؛ لأنه أراد تشريفَهَا‏.‏

واختلف النَّاس في تعيينها‏.‏

فقال عليٌّ، وابن عبَّاسٍ، وجماعة من الصَّحابة‏:‏ إِنها صلاةُ الصُّبْح، وهو قول مالكٍ، وقالتْ فرقةٌ‏:‏ هي الظُّهْر، وورد فيه حديث، وقالت فرقة‏:‏ هي صلاةُ العَصْر، وفي مُصْحَف عائشةَ، وإِملاء حَفْصَة‏:‏ «صَلاَةِ العَصْرِ»؛ وعلى هذا القول جمهورُ العلماءِ، وبه أقولُ‏.‏

وقال قَبِيصَةُ بن ذُوَيْبٍ‏:‏ هي صلاة المَغْرِب، وحكى أبو عمر بن عبد البَرِّ عن فرقة؛ أنها صلاة العشَاءِ الآخِرَةِ، وقالتْ فرقة‏:‏ الصلاة الوسطى لم يعيِّنها اللَّه سبْحانه، فهي في جملة الخَمْس غير معيَّنة؛ كليلة القَدْر، وقالت فرقة‏:‏ هي صلاة الجُمُعَة، وقال بعضُ العلماء‏:‏ هي الخَمْس، وقوله أولاً‏:‏ ‏{‏عَلَى الصلوات‏}‏ يعم النفْلَ، والفَرْض، ثم خَصْ الفرْضَ بالذِّكْر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين‏}‏ معناه في صلاتِكُمْ‏.‏

واختلف في معنى ‏{‏قانتين‏}‏‏.‏

فقال الشَّعْبِيُّ وغيره‏:‏ معناه مطيعين، قال الضَّحَّاك‏:‏ كل قُنُوتٍ في القرآن، فإِنما يعنى به الطاعة، وقاله أبو سعيدٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم وقال ابْنُ مسعودٍ وغيره‏:‏ القُنُوت‏:‏ السُّكُوت؛ وذلك أنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة حتى نزلَتْ هذه الآيةُ، فأمروا بالسُّكُوت، وقال مجاهد‏:‏ معنى ‏{‏قانتين‏}‏ خاشِعِينَ،، فالقنوتُ‏:‏ طُولُ الركوعِ والخشوعِ، وغضُّ البصر، وخَفْضُ الجَنَاح، قال‏:‏ * ع *‏:‏ وإِحضارُ الخَشْية، والفِكْرُ في الوقوف بين يَدَيِ اللَّه سبحَانَه، وقال الرَّبِيعُ‏:‏ القنوتُ‏:‏ طولُ القيَامِ، وطولُ الرُّكُوعَ‏.‏

وقال قومٌ‏:‏ القنوتُ‏:‏ الدعاء، و‏{‏قانتين‏}‏‏:‏ معناه دَاعِينَ، روي معناه عن ابن عَبَّاس‏.‏

وقول تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، أمر اللَّه تعالى بالقيامِ له في الصلاة بحالة قُنُوت، وهو الوقار والسَّكينة، وهدوء الجوارحِ، وهذا على الحالة الغالبَةِ من الأمْن والطُّمأْنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخَوْف الطارئَة أحياناً، فرخَّص لعبيده في الصَّلاة ‏{‏رِجَالاً‏}‏‏:‏ متصرِّفين على الأقدام، و‏{‏رُكْبَانًا‏}‏‏:‏ على الخَيْل والإِبل ونحوهما؛ إِيماء، وإِشارة بالرأس؛ حيث ما توجَّه، هذا قول جميع العلماءِ، وهذه هي صلاة الفَذِّ الذي قد ضايقه الخَوْفُ على نَفْسه في حال المسايفة، أو مِنْ سَبُعٍ يطلبه، أو عدو يتبعه، أو سَيْلٍ يحملُه، وبالجملة فكلُّ أمرْ يخافُ منْه على رُوحِهِ، فهو مبيحٌ ما تضمَّنته هذه الآية‏.‏

وأما صَلاَةُ الخَوْف بالإِمام، وانقسام النَّاس، فليس حكْمُها في هذه الآية، وسيأتي، إِن شاء اللَّه، في «سورة النساء»‏.‏

والرُّكْبَان‏:‏ جمع رَاكِبٍ، وهذه الرخْصَة في ضِمنها؛ بإِجماعٍ من العلماء‏:‏ أن يكون الإنسان حيثُ ما توجَّه ويتقلَّب ويتصرَّف بحسب نَظَره في نجاة نَفْسِهِ‏.‏

* ت *‏:‏ وروى أبو دَاوُد في «سننه»، عن عبد اللَّه بن أُنَيْسٍ، قال‏:‏ ‏"‏ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ، قَالَ‏:‏ «اذهب فاقتله»، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرْتُ صَلاَةَ العَصْرِ، فَقُلْتُ‏:‏ إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، فانطلقت أَمْشِيَ وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئ إِيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي‏:‏ «مَنْ أَنْتَ»‏؟‏ قُلْتُ‏:‏ رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَلِكَ، قَالَ‏:‏ إِنِّي لَفِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حتى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي؛ حتى بَرَدَ ‏"‏ انتهى، وقد ترْجَم عليه «بَابٌ فِي صَلاَةِ الطَّالِبِ»‏.‏

قال‏:‏ * ع *‏:‏ واختلف النَّاس، كَمْ يصلِّي من الركعات‏؟‏ والذي عليه مالكٌ وجماعةٌ‏:‏ أنه لا ينقصُ من عدد الركعاتِ شيئاً، فيصلِّي المسافر ركعتَيْن‏.‏

واختلف المتأوِّلون في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فَإِذَا أَمِنتُمْ فاذكروا الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ فقالَتْ فرقةٌ‏:‏ المعنى‏:‏ إِذا زال خَوْفُكُم، فاذكروا اللَّه سبحانه بالشُّكْر على هذه النعمة، وقالتْ فرقة‏:‏ اذكروا اللَّه، أي‏:‏ صَلُّوا كما علمتم صلاةً تامَّة، يعني فيما يُسْتقْبلُ من الصَّلَوات‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏240- 242‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏240‏)‏ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ‏(‏241‏)‏ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ‏(‏242‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم متاعا إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ في أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏‏:‏ ‏{‏الذين‏}‏‏:‏ رَفْعٌ بالاِبتداء، وخبره مضمرٌ، تقديره‏:‏ فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، وفي قراءة ابن مسعود‏:‏ كُتِبَ عليكُمْ وصيَّةً، قالت فرقة‏:‏ كانَتْ هذه وصيَّةً من اللَّه تعالى تَجِبُ بعد وفاة الزوْجِ، قال قتادة‏:‏ كانتِ المرأةُ إِذا تُوُفِّيَ عنها زوجُها، لها السكنى والنفقة حولاً في مال الزَّوْج، ما لم تخرجْ برأْيها، ثم نُسِخَ ما في هذه الآية من النفَقَة بالرُبع أو بِالثُّمُنِ الَّذِي في «سورة النساءِ»، ونسخ سكنى الحَوْل بالأربعة الأشْهُر والعَشْر، وقاله ابن عَبَّاس وغيره‏:‏ و‏{‏متاعا‏}‏ نصْب على المَصْدر، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏غَيْرَ إِخْرَاجٍ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ ليس لأولياء الميِّت، ووارثي المنزلِ إِخراجها، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خَرَجْنَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ معناه‏:‏ إِنَّ الخروجَ، إِذا كان من قبل الزوجة، فلا جُنَاح على أحدٍ وليٍّ أو حاكمٍ، أو غيره فيما فعلْنَ في أنفسِهِنَّ من تزويجٍ وتزيُّن، وترك إِحداد، إِذا كان ذلك من المعروف الَّذي لا يُنْكَر، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ‏}‏‏:‏ صفةٌ تقتضي الوعيدَ بالنِّقْمة لمن خالف الحَدَّ في هذه النازلة، وهذا كلُّه قد زال حكمه بالنَّسْخ المتَّفَقِ عليه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وللمطلقات متاع بالمعروف حَقًّا عَلَى المتقين * كاذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آياته لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏‏:‏ قال عطاء بْنُ أبي رَبَاحٍ وغيره‏:‏ هذه الآية في الثَّيِّبَاتِ اللواتي قد جُومِعْنَ؛ إِذ قد تقدم في غير هذه الآية ذكْر المتعة لِلَّواتي لم يُدْخَلْ بهنَّ‏.‏

وقال ابنُ زَيْد‏:‏ هذه الآية نزلَتْ مؤكِّدة لأمر المتعة؛ لأنه نزل قبل ‏{‏حَقًّا عَلَى المحسنين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 236‏]‏، فقال رجُلٌ‏:‏ فإِنْ لم أُرِدْ أُحْسِنَ، لم أمتِّع، فنزلَتْ ‏{‏حَقًّا عَلَى المتقين‏}‏‏.‏

قال الطبريُّ‏:‏ فوجب ذلك عليهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏243- 245‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏243‏)‏ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏244‏)‏ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏245‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه رؤية القَلْب؛ بمعنى‏:‏ ألم تَعْلَمْ، وقصَّة هؤلاء فيما قال الضَّحَّاك؛ أنهم قوم من بني إِسرائيل أُمِرُوا بالجهَادِ، فخافوا الموْتَ بالقَتْل في الجهادِ، فخرجوا من ديارهم فِرَاراً من ذلك، فأماتهم اللَّه؛ ليعرِّفهم أنه لا يُنْجِيهِمْ من الموت شيْء، ثم أحياهم، وأمرهم بالجهادِ، بقوله‏:‏ ‏{‏وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏

وروى ابن جريج عن ابن عبَّاس؛ أنهم كانوا من بني إِسرائيل، وأنهم كانوا أربعينَ ألفاً، وثمانيةَ آلاف، وأنهم أُميتوا، ثم أُحْيُوا، وبقيتِ الرائحَةُ على ذلك السِّبْط من بني إِسرائيل إِلى اليَوْم، فأمرهم اللَّه بالجهَادِ ثانيةً، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله‏}‏‏.‏

قال‏:‏ * ع *‏:‏ وهذا القَصَصُ كلُّه ليِّن الإِسناد، وإِنما اللازم من الآية أنَّ اللَّه تعالى أخبر نبيَّه محمَّداً صلى الله عليه وسلم إِخباراً في عبارة التنْبيه، والتوقيفِ عنْ قَوْم من البَشَر خَرَجوا من ديارهم فراراً من المَوْت، فأماتهم اللَّه، ثم أحياهم؛ ليعلموا هم وكلُّ من خَلَفَ بعدهم؛ أن الإِماتة إِنما هي بإِذْنِ اللَّه لا بيَدِ غَيْره، فلا معنى لخوفِ خائفٍ، وجعل اللَّه تعالى هذه الآية مقدِّمة بين يدَيْ أمره المؤمنين من أُمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم بالجهادِ، هذا قول الطَّبري، وهو ظاهرُ رَصْف الآية‏.‏

والجمهورُ على أنَّ ‏{‏أُلُوفٌ‏}‏ جمعُ أَلْفٍ، وهو جمعُ كَثرة، وقال ابن زَيْد في لفظة ‏{‏أُلُوفٌ‏}‏‏:‏ إِنما معناها، وهم مؤتلفُونَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تنبيهٌ على فضله سبحانه على هؤلاء القَوْم الذين تفضَّل عليهم بالنعم، وأمرهم بالجهاد، وألاَّ يجعلوا الحَوْل والقُوَّة إِلا له سبحانه؛ حَسْبما أمر جميع العالم بذلك، فلم يشكروا نعمته في جميعِ هذا، بل استبدُّوا وظَنُّوا أنَّ حولَهُمْ وسعْيَهم ينجِّيهم، وهذه الآيةُ تَحْذيرٌ لسائر النَّاسِ مِنْ مثل هذا الفعْلِ، أي‏:‏ فيجب أنْ يشكر النَّاسُ فضْلَه سبحانه؛ في إِيجاده لهم، ورزْقِهِ إِياهم، وهدايتِهِ بالأوامر والنواهِي، فيكون منهم المبادرة إلى امتثالها، لا طَلَبُ الخُرُوج عنْها، وفي تَخْصِيصه تعالى‏:‏ «الأَكْثَر» دلالةٌ على أنَّ الأقلَّ الشَّاكِر‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الجمهورُ أن هذه الآية مخاطبة لأمَّة محمَّد صلى الله عليه وسلم بالقتالِ في سبيلِ اللَّهِ، وهو الذي ينوى به أن تكون كلمةُ اللَّه هي العليا؛ حَسَب الحديث‏.‏

وقال ابن عَبَّاس، والضَّحَّاك‏:‏ الأمْرُ بالقتال هو لِلَّذينَ أُحْيُوا من بني إسرائيل، قال الطبريُّ‏:‏ ولا وجه لهذا القَوْل، ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ فدخل في ذلك المقاتلُ في سبيل اللَّه، فإِنه يقرض؛ رَجَاء ثوابِ اللَّهِ؛ كما فعل عثمانُ في جَيْش العُسْرة، ويروى أنَّ هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ،

‏"‏ قال أبو الدَّحْدَاحِ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا القَرْضَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ «نَعَمْ، يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ»، قَالَ‏:‏ فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُهُ حَائِطِي لِحَائِطٍ فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ، ثُمَّ جَاءَ الحَائِطَ، وَفِيهِ أُمُّ الدَّحْدَاحِ، فَقَالَ‏:‏ اخرجي، فَإِنِّي قَدّ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي هَذَا، قَالَ‏:‏ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الجَنَّةِ» ‏"‏‏.‏ واستدعاء القَرْض؛ في هذه الآية وغيرها؛ إنما هو تأنيسٌ وتقريبٌ للأفهام، واللَّه هو الغنيُّ الحميدُ‏.‏

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» وكَنَى اللَّه عزَّ وجلَّ عن الفقيرِ بنَفْسه العليَّة ترغيباً في الصَّدَقة؛ كما كنى عن المريضِ، والجائِعِ، والعاطشِ بنفسه المقدَّسة؛ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إِنَّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ‏:‏ يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ، فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ‏:‏ يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلاَناً مَرِضَ، فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدتَّهُ، لَوَجَدتَّنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، استطعمتك، فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ‏:‏ يَا رَبِّ، كَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ‏؟‏‏!‏ قَالَ‏:‏ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ استطعمك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ، لَوَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ، استسقيتك، فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ‏:‏ يَا رَبِّ، كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ‏؟‏‏!‏ قَالَ‏:‏ استسقاك عَبْدِي فُلاَنٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَه، وَجَدتَّ ذَلِكَ عِنْدِي ‏"‏ انتهى، واللفظ لصحيح مسلم، قال ابنُ العَرَبِيِّ‏:‏ وهذا كلُّه خرَجَ مَخْرَجَ التشريفِ لمَنْ كُنِيَ عنه، وترغيباً لمن خوطِبَ انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏حَسَنًا‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ تَطِيبُ فيه النية، ويشبه أيضاً أنْ تكون إِشارة إِلى كثرته وجَوْدته‏.‏

وهذه الأضعاف الكثيرةُ إِلى السَّبْعِمِائَةِ التي رُوِيَتْ، ويعطيها مثالُ السُّنْبُلة‏.‏

* ت *‏:‏ والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه وجوبُ الإِيمان بما ذكر المولى سبحانه، ولا سبيل إِلى التحديد؛ إِلاَّ أنْ يثبتَ في ذلك حديثٌ صحيحٌ، فيصار إِليه، وقد بيَّن ذلك صلى الله عليه وسلم فيما خرَّجه مُسْلِم، والبُخاريُّ، انظره عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَمَثَلِ حَبَّةٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 261‏]‏

قال‏:‏ * ع *‏:‏ ‏"‏ رُوِيَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُسَعِّر بِسَبَبِ غَلاَءٍ خِيفَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ‏:‏ «إِنَّ اللَّهَ هُوَ البَاسِطُ القَابِضُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ، وَلاَ يَتْبَعْنِي أَحَدٌ بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ؛ وَلاَ مَالٍ» ‏"‏، قال صاحب «سِلاحِ المؤمن» عند شَرْحه لاسمه تعالَى «القَابِضِ البَاسِطِ»‏:‏ قال بعْضُ العلماءِ‏:‏ يجبُ أن يُقْرَنَ بيْنَ هذَيْن الاسمين، ولا يفصل بينهما؛ ليكون أنبأَ عن القُدْرة، وأدلَّ على الحكمة؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ‏}‏، وإِذا قلْتَ‏:‏ «القَابِض» مفرداً، فكأنَّك قَصَرْتَ بالصفة على المنع والحرْمان، وإِذا جمعْتَ أَثْبَتَّ الصفتين؛ وكذلك القولُ في الخافضِ والرافعِ والمُعِزِّ والمُذِلِّ‏.‏ انتهى، وما ذكره عن بعض العلماءِ، هو كلامُ الإِمام الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى، ولفظه‏:‏ القابضُ والباسطُ‏:‏ الأحسنُ في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر؛ ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ؛ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏والله يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ‏}‏ وإذا ذكرت «القابضَ» منْفرداً عن «البَاسِطِ»، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله‏:‏ «المُعِزُّ المُذِلّ»، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏246- 248‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ‏(‏246‏)‏ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏247‏)‏ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ‏(‏248‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بَنِي إسراءيل مِن بَعْدِ موسى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية خَبَرٌ عن قوم من بني إِسرائيل نالتهم ذِلَّةٌ وغَلَبة عَدُوٍّ؛ فطلبوا الإِذن في الجِهَاد، وأن يؤمروا به، فلَمَّا أُمِرُوا، ركَعَّ أكثرهم، وصبر الأقلُّ، فنصرهم اللَّه، وفي هذا كلِّه مثالٌ للمؤمنين؛ ليحذروا المَكْرُوه منْه، ويقتدوا بالحَسَن‏.‏

و ‏{‏الملأ‏}‏‏:‏ في هذه الآية جميعُ القَوْم؛ لأن المعنى يقتضيه، وهو أصل اللفظة، ويسمى الأشرافُ «المَلأَ»؛ تشبيهاً، و‏{‏مِن بَعْدِ موسى‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ مِنْ بعد موته، وانقضاء مدَّته‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِنَبِيٍّ لَّهُمُ‏}‏، قال ابن إِسحاق وغيره‏:‏ هو شمويلُ بْن بَابِل‏.‏

وقال السدِّيُّ‏:‏ هو شَمْعُونُ، وكانت بنو إِسرائيل تغلِبُ من حارَبَها، وروي أنها كانت تَضَعُ التابوتَ الذي فيه السكينةِ والبقيَّة في مَأْزِقِ الحرب، فلا تزال تَغْلِبُ؛ حتى عصَتْ، وظهرتْ فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم الأنبياء، واتَّبعوا الشَّهوات، وقد كان اللَّه تعالى أقام أمورهم؛ بأنْ يكون أنبياؤهم يسدِّدون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلَّط اللَّه عليهم أُمماً من الكَفَرة، فغلَبُوهم، وأُخِذَ لهم التابوتُ في بعض الحُرُوب، فذلّ أمرهم‏.‏

وقال السُّدِّيُّ‏:‏ كان الغالبُ لهم «جَالُوتَ»، وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاِصطلامُ، وذَهَابُ الذِّكْرِ، أَنِفَ بعضُهمْ وتكلَّموا في أمرهم؛ حتى اجتمع ملأهم على أنْ قالوا لنبيِّ الوَقْتِ‏:‏ ‏{‏ابعث لَنَا مَلِكًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وإِنما طلبوا مَلِكاً يقوم بأمر القتَال، وكانت المَمْلَكَة في سِبْطٍ من أسباط بني إِسرائيل يقال لهم‏:‏ بَنُو يَهُوذا، فعلم النبيُّ بالوحْي، أنه ليس في بيْتِ المَمْلَكَة من يقوم بأمر الحَرْب، ويسَّر اللَّه لذلك طَالُوت، وقرأ جمهور النَّاسِ‏:‏ «نُقَاتِلْ»؛ بالنون وجزم اللام؛ على جواب الأمر، وأراد النبيُّ المذكور- عليه السلام- أن يتوثَّق منهم، فوقفهم على جهة التَّقْرِيرِ، وسَبْرِ ما عنْدَهم بقوله‏:‏ ‏{‏هَلْ عَسَيْتُمْ‏}‏، ومعنى هذه المقالةِ، هل أنتم قريبٌ من التولِّي والفرار، إِن كُتِبَ عليكم القِتَالُ‏.‏

* ص *‏:‏ ‏{‏لِنَبِيٍّ‏}‏ متعلِّق ب ‏{‏قَالُواْ‏}‏، واللامُ معناها‏:‏ التبليغُ‏.‏ انتهى‏.‏

ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتالَ، تولَّوْا، أي‏:‏ اضطربت نياتهم، وفَتَرت عزائمهم، إلا قليلاً منهم، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلَة إِلى الدَّعَة تتمنَّى الحرب أوقاتِ السَّعَة، فإِذا حَضَرت الحَرْب، كَعَّتْ، وعن هذا المعنى نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ بِقَوْلِهِ‏:‏ ‏"‏ لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدْوِّ، واسألوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فاثبتوا ‏"‏‏.‏ ثم توعَّد سبحانه الظالمينَ في لَفْظ الخبر؛ بقوله‏:‏ ‏{‏والله عَلِيمٌ بالظالمين‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ‏:‏ وكان طالوتُ رجلاً دبَّاغاً، وقال السُّدِّيُّ‏:‏ سَقَّاءً، وكان من سِبْط «بِنْيَامِينَ»، وكان سبطاً لا نبوَّةَ فيه، ولا ملكَ، ثم إِن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وحادُوا عن أمر اللَّه، وجَرَوْا على سَنَنِهِمْ، فقالوا‏:‏ ‏{‏أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال‏}‏، أي‏:‏ لم يؤت مالاً واسعاً، يجمع به نفوسَ الرجالِ، ويَغْلِبُ به أهْل الأَنَفَةِ‏.‏

قال‏:‏ * ع *‏:‏ وترك القَوْمُ السَّببَ الأقوى، وهو قَدَرُ اللَّه وقضاؤُه السَّابقُ، وأنه مالكُ الملكِ؛ فاحتج عليهم نبيُّهم بالحُجَّة القاطعة، وبيَّن لهم مع ذلك تعليلَ اصطفاء طالوتَ ببَسْطَته في العِلْمِ، وهو مِلاَكُ الإِنسان، والجِسْمِ الذي هو مُعِينُهُ في الحرب، وعُدَّتُهُ عند اللقاء، و«اصطفى»‏:‏ مأخوذٌ من الصَّفْوة، والجمهورُ على أنَّ العلْم في هذه الآية يرادُ به العمومُ في المعارف، وقيل‏:‏ المرادُ عِلْمُ الحرب، وأما جِسْمُهُ، فقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ‏:‏ إِن أطْولَ رجُلٍ في بني إِسرائيل كان يَبْلُغ مَنْكِبَ طالوت‏.‏

* ت *‏:‏ قال أبو عُبَيْد الهَرَوِيُّ‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم‏}‏، أي‏:‏ انبساطا وتوسُّعاً في العلْم، وطولاً وتماماً في الجسم‏.‏ انتهى من شرحه لِغَرِيبَيِ القُرآن وأحاديثِ النبيِّ عليه السلام‏.‏

ولما علم نبيُّهم- عليه السلام- تعنُّتهم وجدالَهم، تمَّم كلامه بالقَطْع الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله‏:‏ ‏{‏والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ‏}‏، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيِّهم- عليه السلام-، وذهب بعض المتأوِّلين إِلى أنَّه من قول اللَّه تعالى لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، والأول أظهر، و‏{‏واسع‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ وسعَتْ قدرته، وعلمه كلَّ شيْء، وأما قولُ النبيِّ لهم‏:‏ ‏{‏إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ‏}‏، فإِن الطبريَّ ذهب إِلى أن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وقالوا لنبيِّهم‏:‏ وما آية مُلْكِ طالُوتَ‏؟‏ وذلك على جهة سؤالِ الدَّلالة على صِدْقه في قوله‏:‏ إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ

قال‏:‏ * ع *‏:‏ ويحتمل أنَّ نبيَّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظِ والتنبيه على هذه النعمة الَّتي قرَنَها بمُلْكِ طَالُوت، دون تكْذيب منْهم لنبيِّهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويلُ الطبريِّ أشبهُ بأخلاقِ بني إِسرائيل الذميمةِ؛ فإِنَّهم أهل تكذيبٍ وتعنُّتٍ واعوجاج‏.‏

وقد حكى الطبريُّ معناه عن ابْنِ عَبَّاس وغيره‏.‏

واختلف في كيفيَّة إِتيان التابُوتِ، فقال وهب‏:‏ لما صار التابوتُ عند القومِ الذين غَلَبُوا بني إِسْرَائيل، وضَعُوه في كنيسة لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصْبِحُ منكَّسة، فجعلوه في قرية قَوْمٍ، فأصاب أولئك القَوْم أوجاعٌ، فقالُوا‏:‏ ما هذا إِلاَّ لهذا التابوتِ، فلنردَّه إِلى بني إِسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً، فجعلوا التابُوتَ علَيْها، وربَطُوها ببقرتَيْن، فأرسلوهما في الأرضِ نَحْو بلادِ بَني إسرائيل، فبعث اللَّه ملائكَةً تَسُوقُ البقرتَيْنِ؛ حتى دخَلَتَا به على بني إِسرائيل، وهم في أمر طَالُوتَ، فأيقنوا بالنَّصْر‏.‏

وقال قتادةُ، والربيعُ‏:‏ كان هذا التابوتُ مما تركه موسى عنْد يُوشَعَ، فجعله يُوشَعُ في البريَّة، ومَرَّتْ علَيْه الدُّهُور؛ حتى جاء وقْتُ طَالُوت، فحملَتْه الملائكةُ في الهَوَاء؛ حتى وضعْته بينهم، فاستوثقت بنو إِسرائيل عند ذلك على طالوت، وقيل غير هذا، واللَّه أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن عَبَّاس‏:‏ السكينةُ طَسْتٌ من ذهَبٍ من الجَنَّة، وقال مجاهدٌ‏:‏ السكينة لها رأس كرأس الهِرَّة، وجنَاحَان، وذَنَب‏.‏

وقال عطاءٌ‏:‏ السكينة ما يعرفونَ من الآياتِ، فيسكنون إِليها، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ‏}‏ أي‏:‏ وقار لكم من ربِّكم‏.‏ قال‏:‏

* ع *‏:‏ والصحيحُ أن التابوت كانَتْ فيه أشياء فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارهم، تَسْكُن إِلى ذلك النُّفُوس، وتأنس به، ثم قَرَّر تعالى؛ أن مجيء التابوتِ آية لهم، إِنْ كانوا ممَّن يؤمن ويُبْصر‏.‏

* ت *‏:‏ وهذا يؤيِّد تأويلَ الطبريِّ المتقدِّم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏249- 252‏]‏

‏{‏فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ‏(‏249‏)‏ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ‏(‏250‏)‏ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ‏(‏251‏)‏ تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏252‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، أي‏:‏ لما اتفق ملأهم على تمليك طالوتَ، وفصل بهم، أيْ‏:‏ خرج بهم من القُطْرِ، وفَصَلَ حالَ السفر من حال الإِقامة‏.‏

قال السُّدِّيُّ وغيره‏:‏ وكانوا ثمانين ألفاً، ‏{‏قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ‏}‏ أي‏:‏ مختبركم، فمن ظهرت طاعته في تَرْك الماءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهْوَتُه في الماء، وعصى الأمر، فهو بالعصيان في الشدائد أحرى؛ ورخَّص للمطيعين في الغُرْفة؛ ليرتفع عنْهم أذى العَطَش بعض الاِرتفاعِ، وليكسروا نزاعَ النَّفْس في هذه الحال‏.‏

* ت *‏:‏ ولقد أحْسَنَ من شبه الدُّنْيا بنَهَرِ طالوتَ، فمن اغترف منْها غُرفةً بيد الزهْدِ، وأقبل على ما يعنيه من أمر آخرته، نجا، ومَنْ أكبَّ عليها، صدَّته عن التأهُّب لآخرته، وقلَّت سلامته إِلاَّ أنْ يتدارَكَه اللَّه‏.‏

قال ابن عَبَّاس‏:‏ وهذا النَّهَر بيْن الأَرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ، وقال أيضاً‏:‏ هو نَهْرُ فِلَسْطِينَ‏.‏

قال‏:‏ * ع *‏:‏ وظاهرُ قولِ طالوتَ ‏{‏إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم‏}‏؛ أنه بإِخبار من النبيِّ لطالوتَ، ويحتمل أنْ يكون هذا مما ألهم اللَّه إِليه طالوتَ، فجرَّب به جنده، وهذه النَّزْعة واجبٌ أنْ تقع من كلِّ متولِّي حَرْب، فليس يحارِبُ إِلا بالجنْدِ المطيعِ، وبَيِّنٌ أن الغرفة كَافَّةُ ضرر العَطَش عنْد الحَزَمَةِ الصَّابرين على شَظَف العَيْش الَّذين هم في غير الرفاهيَةِ، وقوله‏:‏ ‏{‏فَلَيْسَ مِنِّي‏}‏، أي‏:‏ ليس من أصحابي في هذه الحَرْب، ولم يخرجْهم بذلك عن الإِيمان، ومثلُ هذا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا ‏"‏، و‏"‏ مَنْ رَمَانَا بِالنَّبْلِ، فَلَيْسَ مِنَّا ‏"‏، و‏"‏ لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ، وَلَطَمَ الخُدُودَ ‏"‏‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ‏}‏ سدُّ الذرائعِ؛ لأنَّ أدْنَى الذَّوْق يدْخُل في لفظ الطّعم، فإِذا وقع النَّهْيُ عن الطُّعْم، فلا سبيل إِلى وقوع الشُّرْبِ ممَّن يتجنَّب الطعْم، ولهذه المبالغةِ لم يأْتِ الكلامُ‏:‏ ومَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ‏.‏

* ص *‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ‏}‏‏:‏ استثناءٌ من الجملة الأولى، وهو قوله‏:‏ ‏{‏فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي‏}‏، أيْ‏:‏ إِلاَّ من اغترف غُرْفة بيَده، دون الكَرْع، فهو منِّي، والاستثناء إِذا تعقَّب جملتين فأكثر، أمكَنَ عَوْده إِلى كلِّ منها، فقيل‏:‏ يعود على الأخيرة، وقيل‏:‏ إِلى الجميع‏.‏

وقال أبو البقاء‏:‏ إِنْ شئْتَ، جعلته مِنْ «مَنِ» الأولى، وإِنْ شئْتَ مِنْ «مَنِ» الثانيةِ، وتُعُقِّبَ؛ بأنه لو كان استثناءً من الثانية، وهي‏:‏ ‏{‏وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي‏}‏، لَلَزِمَ أنْ يكون‏:‏ ‏{‏مَنِ اغترف غُرْفَةً‏}‏ ليس منه؛ لأن الاستثناء من الإِثبات نفيٌ، ومن النفي إِثبات؛ على الصحيح، وليس كذلك؛ لأنه أبيحَ لهم الاغترافُ، والظاهر عوده إِلى الأولى، والجملةُ الثانية مفهومةٌ من الأولى، لأنه حين ذكر أنَّ من شربه، فليس منه، فُهِمَ من ذلك أنَّ مَنْ لم يشرب منه، فإِنه منه‏.‏

انتهى‏.‏

ثم أخبر تعالى؛ أن الأكثر شَرِبَ، وخالَفَ ما أريد منه، روي عن ابن عَبَّاس وغيره؛ أن القوم شَرِبوا على قدر يقينهم، فشرب الكُفَّار شُرْبَ الهيم، وشرب العاصُون دُون ذلك، وانصرف من القوْمِ ستَّة وسبْعُون ألفاً، وبقي بعض المؤمنين، لم يَشْرَبْ شيئاً، وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما مَنْ شرب، فلم يرو، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء، فَحَسُنَتْ حاله، وكان أَجْلَدَ ممن أخذ الغُرْفَة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أكثر المفسِّرين على أنه إِنَّما جاوز النَّهَرَ مَنْ لم يشرَبْ إِلا غُرْفة، ومن لم يَشْرَبْ جملةً، ثم كانَتْ بصائرُ هؤلاء مختلفةً؛ فبعضٌ كَعَّ، وقليلٌ صَمَّم، وهم عِدَّة أهل بدرٍ ثَلاثُمِائَةٍ، وبضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُواْ لاَ طَاقَةَ‏}‏‏.‏

قال ابن عبَّاس‏:‏ قال كثير من الأربعةِ الآلافِ الباقيَةِ مع طالُوت، الذين جاوزوا النَّهَر‏:‏ ‏{‏لاَ طَاقَةَ لَنَا‏}‏ على جهة الفَشَل، والفزع من الموت، وانصرفوا عن طالوتَ، فقال المؤمنون الموقنُون بالبَعْث، والرجوعِ إِلى اللَّه تعالى، وهم عِدَّة أهل بَدْر‏:‏ ‏{‏كَم مِّن فِئَةٍ‏}‏، والظنُّ على هذا القول‏:‏ اليقينُ، والفئةُ‏:‏ الجماعة التي يرجعُ إِليها في الشدائد، وفي قولهم- رضي اللَّه عنهم- ‏{‏كَم مِّن فِئَةٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تحريضٌ بالمثالِ، وحضٌّ واستشعارٌ للصبر، واقتداء بمن صَدَق ربَّه، ‏{‏والله مَعَ الصابرين‏}‏ بنصره وتأييده‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا‏}‏ ‏{‏بَرَزُواْ‏}‏‏:‏ معناه صَارُوا في البَرَازِ، وهو الأفْيَحُ من الأرض المتَّسِع، والإِفْرَاغُ‏:‏ أعظم الصبِّ، وكان جالوتُ أمير العمالقة، ومَلِكَهُم، ورُوِيَ في قصَّة داود وقَتْله جالوتَ؛ أنَّ أصحَابَ طالُوتَ كان فيهم إِخوة دَاوُد، وهم بنو أيش، وكان داود صغيراً يرعى غنَماً لأبيه، فلمَّا حضَرَتِ الحربُ، قال في نفْسه‏:‏ لأذهبنَّ لرؤية هذه الحرْب، فلمَّا نهض مَرَّ في طريقه بحَجَر، فناداه‏:‏ يا دَاوُد، خُذْنِي، فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثم ناداه حَجَرٌ آخَرُ، ثم آخر، ثم آخَرُ، فأخَذَها، وجعَلَها في مِخْلاَتِهِ، وسار، فلَمَّا حَضَر البأْسُ، خَرَجَ جالُوتُ يطلب مُبَارِزاً، فكَعَّ الناسُ عَنْه؛ حتى قال طالوتُ‏:‏ مَنْ بَرَز له، ويَقْتُلُه، فأنا أزوِّجه ابنَتِي، وأحكِّمه في مالِي، فجاء داوُدُ، فقال‏:‏ أنا أَبْرُزُ له، وأقتلُه، فقال له طالوت‏:‏ فاركب فَرَسِي، وخُذْ سلاحِي، ففَعَلَ، وخَرَج في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فلمَّا مشى قَليلاً، رجَع، فقال الناسُ‏:‏ جَبُنَ الفتى، فقَالَ داوُد‏:‏ إِنَّ اللَّه سبحانه، إِنْ لم يَقْتُلْهُ لِي، ويعينَنِي علَيْه، لم ينفعْنِي هذا الفَرَسُ، ولا هذا السِّلاحُ، ولكنِّي أحبُّ أنْ أقاتِلَهُ على عادَتِي، قال‏:‏ وكان داوُدُ من أرْمَى النَّاس بالمِقْلاعِ، فنَزَلَ، وأخَذَ مِخْلاَته، فتقلَّدها، وأخَذَ مِقْلاَعه، فخَرَج إِلى جَالُوتَ، وهو شَاكٍ فِي السِّلاحِ، فقال له جالوت‏:‏ «أنْتَ، يا فتى، تَخْرُجُ إِلَيَّ»‏.‏

قَالَ‏:‏ نعم، قال‏:‏ هكذا؛ كما يُخْرَجُ إِلى الكَلْبِ، قال‏:‏ نعم، وأنْتَ أهْوَنُ، قَالَ‏:‏ لأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطيرَ، والسِّبَاعَ، ثُمَّ تدَانَيَا، فأدار دَاوُدُ مِقْلاَعَهُ، وأدْخَلَ يدَهُ إِلى الحجارةِ، فرُوِيَ أنَّها التأمت، فصارَتْ واحداً، فأَخذه، ووضَعَه في المِقْلاَع، وسمَّى اللَّهَ، وأدارَهُ، ورَمَاه، فأصَابَ به رَأسَ جالُوت، فقتله، وحزَّ رأسَهُ، وجعَلَهُ في مِخْلاَته، واختلط النَّاسُ، وحَمَل أصْحَاب طالُوتَ، وكانَتِ الهزيمةُ، ثم إِنَّ داوُدَ جاء يَطْلُبُ شرطَهُ من طالُوتَ، فقال له‏:‏ إِن بناتِ المُلُوكِ لهُنَّ غرائِبُ من المَهْرِ، ولا بُدَّ لك من قَتْل مائَتَيْنِ من هؤُلاَء الجَرَاجِمَةِ الذينَ يُؤْذُونَ النَّاس، وتجيئَنِي بغُلُفهِمْ، وطمع طالوتُ أنْ يُعَرِّض داوُدَ للقَتْلِ بهذه النَّزْعَة، فقَتَل داوُدُ منْهم مائَتَيْنِ، وجاء بذلك، وطَلَبَ امرأته، فدَفَعَهَا إِليه طالُوتُ، وعَظُم أمْرُ داود، فيروى؛ أنَّ طالُوتَ تخلى له عن المُلْك، وصار هو المَلِكَ، وقد أكْثَر الناس في قَصَص هذه الآية، وذلك كلُّه ليِّن الأَسانيد؛ فلذلك انتقَيْتُ منه ما تنفكُّ به الآية، ويعلم به مناقلُ النازلة‏.‏

وأما الحكْمَةُ التي آتاه اللَّه، فَهِيَ النبوَّة، والزَّبُور، وعلَّمه سبحانه صَنْعَة الدُّرُوع، ومَنْطِقَ الطَّيْر، وغيْرَ ذلك من أنواع علْمه- صلَّى اللَّه على نبيِّنا وعلَيْه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآية؛ أنه لوْلاَ دفعه بالمؤمنين في صدور الكَفَرة على مرِّ الدَّهْر، لَفَسَدَتِ الأرْض؛ لأن الكُفْر كان يطبقها، ولكنه سبحانه لا يُخْلِي الزمانَ مِنْ قَائِمٍ بحقٍّ، وداعٍ إِلى اللَّه إِلى أنْ جعل ذلك في أمَّة محمَّد إلى قيامِ السَّاعة له الحَمْدُ كَثيراً‏.‏

* ص *‏:‏ ‏{‏ولكن‏}‏ استدراكٌ بإثبات الفضل للَّه سبحانه على جميع العالمين؛ لما يتوهَّمه من يريد الفَسَاد؛ أنَّ اللَّه غير متفضِّل عليه؛ إِذ لم يبلِّغه مقاصده؛ واحتيج إلى هذا التقديرِ؛ لأن «لَكِنَّ» تكونُ بين متنافِيَيْن بوجْهٍ مَّا‏.‏ انتهى‏.‏

والإِشارةُ ب ‏{‏تِلْكَ‏}‏ إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصَّة بجملتها مثالٌ عظيمٌ للمؤمنين ومعتَبَرٌ، وقد كان أصحابُ نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم معدِّين لحَرْب الكفَّار، فلهم في هذه النازلة معتَبَرٌ يقتضي تقْوِيَة النفُوسِ، والثقَةَ باللَّه سبحانه، وغيْرَ ذلك من وجوه العِبَر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏253- 254‏]‏

‏{‏تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ‏(‏253‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ‏(‏254‏)‏‏}‏

قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ «تِلْكَ»‏:‏ رفْعٌ بِالابتداءِ، والرسُل‏:‏ خبره، ويجوز أنْ يكُونَ «الرُّسُلُ» عطْفَ بيانٍ، و«فَضَّلْنَا»‏:‏ الخبَر، و«تِلْكَ»‏:‏ إِشارة إِلى جماعة، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على تفضيل بعْض النَّبيِّين على بعضٍ من غير تعْيين‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات‏}‏‏:‏

قال مجاهد وغيره‏:‏ هي إِشارة إلى نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بعث إِلى الناس كافَّة، وأعطي الخُمُسَ الَّتي لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قبله، وهو أعْظَمُ النَّاس أمَّةً، وختم اللَّه به النبوَّات إِلى غير ذلك ممَّا أعطاه من الخُلُقِ العظيمِ، ومِنْ معجزاتِهِ، وباهرِ آياته، ويَحْتَمِلُ اللفْظُ أن يراد به نبيُّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وغيره ممَّن عظُمَتْ آياته، وبيِّناتُ عيسى عليه السلام إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَه، والأبْرَص، وخَلْق الطَّيْر من الطِّين، ورُوحُ القُدُسِ جبريلُ عليه السلام وقد تقدَّم ما قال العلماءُ فيه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ معنى الآيةِ‏:‏ ولو شاء اللَّه ما اقتتل النَّاس بعد كُلِّ نبيٍّ، فمنهم مَنْ آمَنَ، ومِنْهُمْ مَنْ كفر بغياً وحَسَداً، وعلى حُطَامِ الدنيا، وذلك كلُّه بقضاء، وقَدَرٍ، وإِرادةٍ من اللَّه سبحانه، ولو شاء اللَّه خلافَ ذلك، لكان، ولكنَّه المستأْثِرُ بسرِّ الحكمة في ذلك، وهو الفَعَّال لما يريد سبحانه‏.‏

* ص *‏:‏ ‏{‏وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل‏}‏، قيل‏:‏ في الكلام حذْفٌ، أي‏:‏ فاختلف أممهم، فاقتتلوا، ولو شاء اللَّهُ، فمفعولُ «شَاءَ» محذوفٌ، أي‏:‏ «أَلاَّ يَقْتَتِلُوا» انتهى‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مَا اقتتلوا‏}‏، أي‏:‏ بأنْ قاتل المؤمنُونَ الكافرينَ على مَرِّ الدهْر، وذلك هو دفَاعُ اللَّه النَّاسَ بعضَهُم ببعض‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآيةَ، قال ابن جُرَيْج‏:‏ هذه الآيةُ تجمعُ الزكاةَ والتطوُّع، أي‏:‏ وجميعَ وجوهِ البرِّ من سبيلٍ وصلةِ رحمٍ، وهذا كلامٌ صحيحٌ، لكن ما تقدَّم من الآيات في ذكْر القتَالِ يرجِّح أنَّ هذه النفقةَ في سَبيل اللَّه، ويقوِّي ذلك قولُه‏:‏ ‏{‏والكافرون هُمُ الظالمون‏}‏، أي‏:‏ فكافِحُوهم بالقتَالِ بالأنْفُس، وإِنفاقِ الأموال ممَّا رزقْنَاكم، وهذا غاية الإِنعام والتفضُّل منه سبحانه؛ أنْ رَزَق، ثم نَدَب للنفقةِ ممَّا به أنعم، وحذَّر سبحانه من الإِمساك إِلى أنْ يأتي يَوْم لا يمكنُ فيه بيْعٌ، ولا شراءٌ، ولا استدراك نفقةٍ في ذاتِ اللَّه تعالى، إِذ هي مبايعةٌ إِذ البيعُ فديةٌ؛ لأن المرء قد يشتري نفْسَه، ومرادَهُ بماله؛ فكأن معنى الآية أنْ لا فديةَ يوم القيامة، ولا خُلَّةَ نافعة، وأهل التقوى في ذلك اليَوْمِ بينهم خُلَّة، ولكنَّه غير محتاج إِلَيْها‏.‏

* ت *‏:‏ وفي قوله‏:‏ «غَيْر مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا» قلقٌ، ولا شفاعة يَومَئِذٍ إِلا لِمَنْ أذن له سبحانه، فالمنفيُّ مثل حال الدُّنيا من البَيْع، والخُلَّة، والشَّفاعة؛ بغير إِذْن المَشْفوع عنده، قال عطاءُ بن دِينَار‏:‏ الحَمْدُ للَّهِ الَّذي قال‏:‏ ‏{‏والكافرون هُمُ الظالمون‏}‏، ولم يقلْ‏:‏ والظَّالمُونَ هم الكافرون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏255‏]‏

‏{‏اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ‏(‏255‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآيةُ سيِّدة آي القرآن، وورد في الحديثِ؛ ‏"‏ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآن ‏"‏، وورد ‏"‏ أنَّ مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ لَيْلِهِ، لَمْ يَقْرَبْهُ شَيْطَانٌ ‏"‏؛ وكذلك مَنْ قَرَأَهَا أَوَّلَ نَهارِهِ، وهي متضمِّنة التوحيدَ والصِّفاتِ العُلاَ، وعن أنسِ بنِ مالكٍ، قال‏:‏ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لفاطمةَ‏:‏ ‏"‏ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَسْمَعِي، مَا أَوْصَيْتُكِ بِهِ، تَقُولِينَ، إِذَا أَصْبَحْتِ، وَإِذَا أَمْسَيْتِ‏:‏ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلاَ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ ‏"‏، رواه النَّسائيُّ، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» عَلَى الصَّحيحَيْن، وقال‏:‏ صحيحٌ على شرط الشيخَيْن، يعني البخاريَّ ومسلماً‏.‏ انتهى من «السِّلاح»‏.‏

وعن ابن مسعود؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا نَزَلَ بِهِ هَمٌّ أَوْ غَمٌّ، قَالَ‏:‏ ‏"‏ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ‏"‏ رواه الحاكم في «المستدرك»، وقال‏:‏ صحيح الإِسناد، ورواه الترمذيُّ من حديث أنسٍ، والنَّسائيّ من حديثِ رَبِيعَةَ بْنِ عامرٍ، انتهى من «السِّلاح»‏.‏

واللَّه‏:‏ مبتدأ، ولا إِلَهَ‏:‏ مبتدأ ثانٍ، وخبره محذوفٌ، تقديره معبودٌ أو موجودٌ، وقَيُّوم‏:‏ بناءُ مبالغةٍ، أي‏:‏ هو القائم على كلِّ نفس بما كَسَبَتْ؛ بهذا المعنى فسَّره مجاهدٌ، والرَّبيع، والضَّحَّاك، ثم نفى عزَّ وجلَّ؛ أنْ تأخذه سِنَةٌ أو نَوْم، وفي لفظٍ‏:‏ الأَخْذُ غَلَبَةٌ مَّا، فلذلك حَسُنَتْ في هذا الموضِعِ بالنفْيِ، والسِّنَةُ‏:‏ بدْء النُّعَاس، وليس يفقد معه كلّ الذِّهْن، والنَّوْمُ هو المستثْقَلُ الذي يزولُ معه الذهْن، والمراد بالآية‏:‏ التنزيهُ أنه سبحانه لا تدركُه آفة، ولا يلحقه خَلل بحالٍ من الأحوال، فجعلت هذه مثالاً لذلك، وأقيمَ هذا المذكورُ من الآفاتِ مقام الجميعِ، وهذا هو مفهومُ الخطَابِ؛ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏‏.‏

*ت *‏:‏ وبيانه أنه إِذا حرم التأفيف، فأحرى ما فوقه من الشَّتْمِ، والضَّرْب في حقِّ الأبوَيْن، وروى أبو هريرة، قال‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي عَنْ موسى عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ‏:‏ ‏"‏ وَقَعَ فِي نَفْسِ موسى‏:‏ هَلْ يَنَامُ اللَّهُ- جَلَّ ثَنَاؤُهُ- فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فَأرَّقَهُ ثَلاَثاً، ثُمَّ أعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةً، وأَمَرَهُ بِأَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا، قَالَ‏:‏ فَجَعَلَ يَنَامُ، وتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ، فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنِ الأخرى؛ حتى نَامَ نَوْمَةً، فاصطفقت يَدَاهُ، فانكسرت القَارُورَتَانِ، قَالَ‏:‏ ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلاً أَنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ، لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالأرْضِ ‏"‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض‏}‏، أي‏:‏ بالملك؛ فهو مالكُ الجميع، وربُّه، ثم قرَّر، ووَقَفَ تعالى من يتعاطى أنْ يشفع إِلاَّ بإذنه، أي‏:‏ بأمره‏.‏

* ص *‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ‏}‏‏:‏ «مَنْ»‏:‏ مبتدأ، وهو استفهام معناه النفْيُ؛ ولذا دخلَت «إِلاَّ» في قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏، والخبر «ذَا»، و«الَّذِي» نعْتٌ ل «ذَا» أو بدل منه، وهذا على أنَّ «ذا» اسمُ إِشارةٍ، وفيه بُعْد؛ لأن الجملة لم تستقلَّ ب «مَنْ» مع «ذَا»، ولو كان خبراً، لاستقلَّ، ولم يحتجْ إِلى الموصولِ، فالأولى أنَّ «مَنْ» ركِّبت مع «ذَا» لِلاستفهامِ‏.‏

انتهى‏.‏

قال مجاهدٌ وغيره‏:‏ ‏{‏مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ‏}‏‏:‏ الدُّنيا، ‏{‏وَمَا خَلْفَهُمْ‏}‏‏:‏ الآخرة، وهذا صحيحٌ في نفْسه عند موت الإِنسان؛ لأن ما بين اليَدِ هو كلُّ ما تقدَّم الإِنسان، وما خَلْفه‏:‏ هو كلُّ ما يأتي بعده، ‏{‏وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ‏}‏، أي‏:‏ مِن معلوماته؛ لأن علْم اللَّه تعالى لا يتبعَّض، ومعنى الآية‏:‏ لاَ مَعْلُومَ لأحدٍ إلا ما شاء اللَّه أنْ يعلمه، قال ابن عبَّاس‏:‏ كُرْسيُّه‏:‏ علْمه ‏[‏قالَ‏]‏ الطبريُّ‏:‏ ومنه الكُرَّاسَة‏.‏

قال‏:‏ * ع *‏:‏ والذي تقتضيه الأحاديثُ أنَّ الكرسيَّ مخلوقٌ عظيمٌ بَيْن يَدَيِ العَرْشِ، والعَرْشُ أعظمُ منْه؛ وقد قال رُسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلاَّ كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ ‏"‏ وقال أبو ذَرٍّ‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏ مَا الكُرْسيُّ فِي العَرْش إِلاَّ كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ فِي فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ ‏"‏ وهذه الآية مُنْبِئَةٌ عن عِظَمِ مخلوقاتِ اللَّه سبحانَهُ، والمستفادُ من ذلك عِظَمُ قدرتِهِ جل وعلا؛ إِذ لا يَؤُوده حفْظُ هذه المخلوقاتِ العظيمةِ، ‏{‏وَلاَ يَؤُودُهُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ لا يُثْقِلُهُ، ولا يشقُّ عليه، وهو تفسيرُ ابن عبَّاس وغيره، و‏{‏العلى‏}‏‏:‏ يراد به عُلُوُّ القَدْر، والمنزلةِ، لا عُلُوُّ المكانِ؛ لأن اللَّه سبحانه منزَّه عن التَّحَيُّز؛ وكذا ‏{‏العظيم‏}‏‏:‏ هو صفةٌ؛ بمعنى عِظَم القَدْر، والخَطَر، لا على معنى عِظَمِ الأجْرَامِ، ومن «سلاح المؤمن» قال‏:‏ وعن أبي أُمَامَةً، قال‏:‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إِلاَّ أَنْ يَمُوتَ ‏"‏ رواه النَّسَائِيُّ عن الحُسَيْن بن بِشْرٍ عن محمَّد بن حِمْيَرَ، عن محمَّد بن زيَادٍ الألهانيِّ، عن أبي أُمَامَةَ، فأما الحُسَيْن، فقال فيه النَّسائيُّ‏:‏ لا بأس به، وقال في موضِعٍ آخر‏:‏ ثِقَة، وقال أبو حاتِمٍ‏:‏ شيخ، وأما المُحمَّدان، فاحتج بهما البخاريُّ في «صحيحه»، وقد أخرج شيخُنا الحافظُ أبو محمَّد الدِّمْيَاطِيُّ- رحمه اللَّه- الْحَدِيثَ في بَعْضِ تصانِيفِهِ مِنْ حديثِ أبِي أمَامَةَ، وعليٍّ، وعبد اللَّه بنِ عُمَر، والمُغِيرَة، وجابرٍ، وأنَس، قال‏:‏ وإِذَا ضمت هذه الأحاديث بعضُها إلى بعض، أخذت قوة‏.‏ انتهى من «السلاح»‏.‏

وقد أخْرج البخاريُّ والنَّسَائِيُّ من حديث أبي هُرَيْرة في قصَّته مع الشَّيْطَان وأخْذِهِ الطَّعام، ما هو مَعْلُومٌ من فَضْل هذه الآية‏.‏

وفيه‏:‏ أنه إِذا قرأْتَهَا حِينَ تَأوي إلى فِرَاشِكَ، لَمْ يَزَلْ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبْكَ شَيْطَانٌ؛ حتى تُصْبِحَ، وخرَّجه الترْمِذِيُّ من حدِيثِ أبي أَيُّوبَ في قصَّته مع الغُول نحْو حديث أبِي هريرة؛ قال الغزَّاليُّ ما معناه‏:‏ إِنما وصفت بكونها سيِّدة آي القرآن؛ لاشتمالها على اسم اللَّه الأعظم، وهو الحيُّ القيومُ؛ قاله في «الجَوَاهِر»، وأسند صاحبُ «غاية المَغْنَمِ في اسم اللَّهِ الأعْظَمِ»، عن غَالِبٍ القَطَّان، قال‏:‏ مكثْتُ عشْرَ سنينَ، أدعو اللَّه أنْ يعلِّمني اسمه الأعْظَم الَّذي إِذا دُعِيَ به أجَابَ، وإِذا سُئِلَ به أعطى، فأتانِي آتٍ في مَنَامِي ثَلاَثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ يَقُولُ‏:‏ يَا غَالِبُ قُلْ‏:‏ يَا فَارِجَ الهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الغَمِّ، يَا صَادِقَ الوَعْدِ، يَا مُوفِياً بِالْعَهْدِ، يَا مُنْجِزاً لِلْوَعْدِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لاَ إله إِلاَّ أَنْتَ‏.‏

انتهى من «غاية المَغْنَمِ»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏256- 257‏]‏

‏{‏لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏256‏)‏ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏257‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي‏}‏‏:‏ الدِّينُ، في هذه الآية‏:‏ هو المُعْتَقَدُ، والمِلَّة، ومقتضى قولِ زَيْدِ بن أسْلَمَ أن هذه الآية مكِّيَّة، وأنها من آيات الموادَعَة الَّتي نسخَتْها آية السَّيْف، وقال قتادةُ والضَّحَّاك بنُ مُزَاحِمٍ‏:‏ هذه الآية مُحْكَمَةٌ خاصَّة في أهل الكتاب الذينَ يبذُلُون الجزْيَة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ بنصب الأدلَّة، ووجودِ الرسُول صلى الله عليه وسلم الدَّاعِي إِلى اللَّه، والآياتِ المُنيرة، والرُّشْدُ‏:‏ مصْدَر من قولك‏:‏ رَشِدَ؛ بكسر الشين، وضَمِّها، يَرْشُدُ رُشْداً، ورَشَداً، ورَشَاداً، والغيُّ مصدر من‏:‏ غَوِيَ يغوى، إِذا ضلَّ في معتقد، أو رأْيٍ، ولا يُقَال‏:‏ الغيُّ في الضلال على الإِطلاق، والطَّاغُوتَ بنَاءُ مبالغةٍ من‏:‏ طغى يطغى، واختلف في مَعْنى الطَّاغوت، فقال عُمَر بْنُ الخَطَّاب وغيره‏:‏ هو الشَّيْطَان، وقيل‏:‏ هو السَّاحِر، وقيل‏:‏ الكَاهِنُ، وقيل‏:‏ الأصْنَام، وقال بعضُ العلماء‏:‏ كُلُّ ما عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فهُوَ طَاغُوتٌ‏.‏

* ع *‏:‏ وهذه تسميةٌ صحيحة في كلِّ معبودٍ يرضى ذلك؛ كفرعَوْنَ ونُمْرُوذ، وأما مَنْ لا يرضى ذلك، فسمي طاغوتاً في حقِّ العَبَدَةِ، قال مجاهد‏:‏ العروةُ الوثقَى‏:‏ الإِيمانُ، وقال السُّدِّيُّ‏:‏ الإِسلام، وقال ابن جُبَيْر وغيره‏:‏ لا إِله إِلا الله‏.‏

قال‏:‏ * ع *‏:‏ وهذه عباراتٌ تَرْجِعُ إِلى معنًى واحدٍ‏.‏

والاِنْفِصَامُ‏:‏ الاِنكسارُ من غَيْر بَيْنُونَةٍ، وقد يجيءُ بمعنى البَيْنُونة، والقَصْم كسر بالبينونة‏.‏

* ت *‏:‏ وفي «الموطَّإ» عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ إِنَّ الوَحْيَ يَأْتِينِي أَحْيَاناً فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ ‏"‏ قال أبو عُمَر في «التمهيد»‏:‏ قوله‏:‏ «فَيَفْصِمُ عَنِّي»‏:‏ معناه‏:‏ ينفرجُ عنِّي، ويذهب؛ كما تفصمُ الخلخال، إِذا فتحته؛ لتخرجَهُ من الرِّجْل، وكلُّ عُقدْة حلَلْتَهَا، فقد فَصَمْتَها، قال اللَّه عز وجلَّ‏:‏ ‏{‏فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا‏}‏، وانفصامُ العروةِ أنْ تنفَكَّ عن موضعها، وأصْلُ الفَصْم عند العرب‏:‏ أنْ تفكَّ الخلخال، ولا يبين كَسْره، فإِذا كسرته، فقد قَصَمْتَهُ بالقافِ‏.‏ انتهى‏.‏

ولما كان الإِيمان ممَّا ينطقُ به اللِّسان، ويعتقده القلبُ، حَسُن في الصفاتِ ‏{‏سَمِيعٌ‏}‏‏:‏ من أجْل النُّطْق، و‏{‏عَلِيمٌ‏}‏ من أجْل المعتقَدِ‏.‏

قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ الوليُّ من‏:‏ وَلِيَ، فَإِذا لازم أحدٌ أحداً بنَصْره، وودِّه، واهتباله، فهو وليُّه؛ هذا عُرْفُهُ لغةً، ولفظ الآية مترتِّب في الناس جميعاً، وذلك أن منْ آمن منهم، فاللَّه وليُّه، أخرجه من ظلمة الكُفْر إِلى نور الإِيمان، ومَنْ كفر بعد وجودِ الرسُولِ صلى الله عليه وسلم فَشَيْطَانَهُ ومُغْوِيهِ أخرجه من الإِيمان؛ إِذ هو معدٌّ وأهل للدخول فيه، ولفظ ‏{‏الطاغوت‏}‏ في هذه الآيةِ يَقْتَضِي أنَّه اسم جنْسٍ؛ ولذلك قال‏:‏ ‏{‏أَوْلِيَاؤُهُمُ‏}‏؛ بالجَمْع؛ إِذ هي أَنْوَاع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏258- 259‏]‏

‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏258‏)‏ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏259‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَاجَّ إبراهيم فِي رِبِّهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الاية‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ‏}‏‏:‏ تنبيهٌ، وهي رؤية القَلْب، والَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ، هو نُمْرَوذُ بْنُ كَنْعَانَ مَلِكُ زمانه، وصاحبُ النَّار، والبَعُوضَةِ، قاله مجاهد وغيره، قال قتادة‏:‏ هو أولُ من تجبَّر، وهو صاحبُ الصَّرْح بِبَابِلَ، قيل‏:‏ إِنه مَلكَ الدُّنْيَا بأجمعها، وهو أحد الكَافِرَيْنِ، والآخر بُخْتَ نَصَّرَ، وقيل‏:‏ إِن النُّمْرُوذَ الذي حاجَّ إِبراهيم هو نُمْرُوذُ بْنُ فَالخ، وفي قصص هذه المحاجَّة روايتان‏.‏

إحداهما‏:‏ ذكر زيْد بن أسْلم أنَ النُّمْروذ هذا قَعَدَ يأمر للنَّاس بالميرة، فكلَّما جاء قومٌ، قال‏:‏ مَنْ رَبُّكُمْ وَإِلَهُكِمْ، فيقولُونَ‏:‏ أَنْتَ، فيقولُ‏:‏ مِيرُوهُمْ، وجاء إِبراهيم- عليه السلام-، يَمْتَارُ، فَقَالَ لَهُ‏:‏ مَنْ رَبُّكَ وَإِلَهُكَ‏؟‏ قَالَ إِبْرَاهِيمُ‏:‏ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا نُمْرُوذُ، قَالَ‏:‏ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ، فَعَارَضَهُ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِ الشَّمْسِ؛ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وَقَالَ‏:‏ لاَ تُمِيرُوهُ، فَرَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَهْلِهِ دُونَ شَيْءٍ، فَمَرَّ على كَثِيبٍ رَمْلٍ؛ كَالدَّقِيقِ، فَقَالَ‏:‏ لَوْ مَلأْتُ غَرَارَتِي مِنْ هَذَا، فَإذَا دَخَلْتُ بِهِ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ؛ حتى أَنْظُرَ لَهُمَا، فَذَهَبَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا بَلَغَ مَنْزِلَهُ، فَرِحَ الصِّبْيَانُ، وَجَعَلاَ يَلْعَبَانِ فَوْقَ الغِرَارَتَيْنِ، وَنَامَ هُوَ مِنَ الإِعْيَاءِ، فَقَالَتِ امرأته‏:‏ لَوْ صَنَعْتُ لَهُ طَعَاماً يَجِدُهُ حَاضِراً، إِذَا انتبه، فَفَتَحَتْ إِحْدَى الْغِرَارَتَيْنِ، فَوَجَدَتْ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الحَوَارِيِّ، فَخَبَزَتْهُ، فَلَمَّا قَامَ، وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ‏:‏ مِنْ أَيْنَ هَذَا‏؟‏ قَالَتْ‏:‏ مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي سُقْتَ، فَعَلِمَ إِبْرَاهِيمُ؛ أنَّ اللَّه يسَّر لَهُمْ ذَلِكَ‏.‏

وقال الربيعُ وغيره في هذا القصص‏:‏ إِن النُّمروذَ لَمَّا قال‏:‏ أنَا أُحْيِي وأُمِيتُ، أَحْضَرَ رَجُلَيْنِ، فَقَتَل أحَدَهُمَا، وأَرْسَلَ الآخَرَ، وقَالَ‏:‏ قَدْ أحْيَيْتُ هَذَا، وأَمَتُّ هذا، فردَّ علَيْهِ إِبراهيمُ بأمْرِ الشمْسِ‏.‏

والروايةُ الأخرى‏:‏ ذكر السُّدِّيُّ؛ أنه لما خَرَجَ إِبراهيمُ من النَّار، وأُدْخِلَ على المَلِكِ، قالَ له‏:‏ مَنْ ربُّكَ‏؟‏ قَالَ‏:‏ ربِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ‏.‏

يقالُ‏:‏ بُهِتَ الرَّجُلُ، إِذا انقطعَ، وقامَتْ عليه الحُجَّةُ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين‏}‏‏:‏ إِخبارٌ لمحمَّد صلى الله عليه وسلم وأمته، والمعنى‏:‏ لا يرشدهم في حججهم على ظُلْمهم، وظاهر اللفْظ العمومُ، ومعناه الخصوصُ؛ لأنَّ اللَّه سبحانه قد يَهْدي بعْضَ الظالمينَ بالتَّوْبة والرجوع إِلى الإِيمان‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ عطفت «أوْ» في هذه الآية على المعنى الَّذِي هو التعجُّب في قوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَاجَّ‏}‏‏.‏

قال ابن عبَّاس وغيره‏:‏ الذي مَرَّ على القَرْيَة هو عُزَيْرٌ، وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ وغيره‏:‏ هو أَرْمِيَا، قال ابن إِسحاق‏:‏ أَرْمِيَا هو الخَضِرُ، وحكاه النَّقَّاش عن وهْب بن منَبِّه‏.‏

واختلف في القَرْيَةِ، مَا هِيَ‏؟‏ فقِيلَ‏:‏ المُؤْتَفِكَةُ، وقال زيْدُ بن أسلم‏:‏ قريةُ الَّذين خَرَجُوا مِنْ ديارهم، وهم أُلُوفٌ، وقال وهْبُ بن مُنَبِّهٍ، وقتادة، والضَّحَّاك، والرَّبيع، وعِكْرِمَة هي بَيْت المَقْدِسِ، لما خرَّبها بُخْتَ نَصَّرُ البابليُّ، والعَرِيشُ‏:‏ سقْف البيتِ، قال السُّدِّيُّ‏:‏ يقول‏:‏ هي ساقطةٌ على سَقْفِها، أي‏:‏ سقطت السقْف، ثم سقطت الحيطانُ عليها، وقال غيره‏:‏ معناه‏:‏ خاوية من الناس، وخاوية‏:‏ معناه‏:‏ خاليةٌ؛ يقال‏:‏ خَوَتِ الدَّارُ تَخْوِي خَوَاءً وخُوِيًّا، ويقال‏:‏ خويت، قال الطبريُّ‏:‏ والأول أفْصَحُ، قال‏:‏ * ص *‏:‏ ‏{‏وَهِيَ خَاوِيَةٌ‏}‏ في موضع الحالِ من فَاعِلِ «مَرَّ» أو من «قَرْيَةٍ» و‏{‏على عُرُوشِهَا‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ على بابِهَا، والمعنى‏:‏ خاويةٌ من أهلها، ثابتةٌ على عروشها، والبُيُوت قائمةٌ، والمَجْرور على هذا يتعلَّق بمحذوفٍ، وهو ثابتةٌ، وقيل‏:‏ يتعلَّق ب «خَاوِيَة» والمعنى‏:‏ وقعتْ جُدُرَاتُهَا على سقوفها بعْد سُقُوط السقوفِ‏.‏

انتهى، وقد زدنا هذا المعنى وضوحاً في سورة الكهف، واللَّه الموفِّق بفضله‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏‏:‏ ظاهر اللفظ السؤَالُ عن إِحياءِ القَرْيَة بعمارةٍ أو سُكَّانٍ، فكأنَّ هذا تلهُّفٌ من الواقِفِ المعتبر على مدينة أحبَّته، ويحتمل أنْ يكونَ سؤاله إِنما كانَ عن إِحياء الموتى، فضرب له المَثَل في نَفْسه، وحكى الطبريُّ عن بعضهم؛ أنَّ هذا القَوْلَ منه شك في قدرة اللَّه على الإِحياء؛ قال‏:‏ * ع *‏:‏ والصواب ألاَّ يتأول في الآية شكٌّ، وروي في قصص هذه الآية؛ أنَّ بني إِسرائيل، لَمَّا أحدثوا الأحدَاثَ، بعث اللَّه عليهم بُخْتَ نَصَّرَ، فقتَلَهُم، وجَلاَهم من بْيتِ المَقْدِسِ، وخرَّبه، فلَمَّا ذهب عنه، جاء عُزَيْرٌ أَوْ أزمِيَّا، فوقَف على المدينة معتبراً، فقال‏:‏ ‏{‏أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا‏}‏؛ فأماته اللَّه تعالى، وكان معه حمارٌ قد رَبَطَهُ بحَبْلٍ جديدٍ، وكان معه سَلَّة فيها تِينٌ هو طعامه، وقيل‏:‏ تِينٌ وعِنَبٌ، وكانتْ معه رِكْوة من خَمْر، وقيل‏:‏ من عصيرٍ، وقيل‏:‏ قُلَّة من ماءٍ هي شرابُهُ، وبقي ميتاً مائةَ عامٍ، فروي أنَّه بَلِيَ، وتفرَّقت عظامه هو وحمارُهُ، وروي أنَّ الحمار بَلِيَ، وتفرَّقت أوصاله، دون عُزَيْرٍ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ بَعَثَهُ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ أحياه، فسأله اللَّه تعالى بوسَاطَةِ المَلَكِ، كَمْ لَبِثْتَ؛ على جهة التقرير، فقال‏:‏ ‏{‏لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏، قال ابن جُرَيْج، وقتادة، والربيع‏:‏ أماته اللَّه غدوة يَوْمٍ، ثم بعثه قُرْبَ الغروبِ، فظنَّ هو اليومَ واحداً، فقال‏:‏ لَبِثْتُ يوماً، ثم رأى بَقِيَّةً مِن الشمْسِ، فَخَشِيَ أنْ يكون كاذباً، فقال‏:‏ ‏{‏أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ‏}‏، فقيل له‏:‏ ‏{‏بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ‏}‏، أي‏:‏ لم يتغيَّر‏.‏

* ت *‏:‏ قال البخاريُّ في «جامعه»‏:‏ ‏{‏يَتَسَنَّهْ‏}‏‏:‏ يتغيَّر‏.‏

وأمَّا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وانظر إلى حِمَارِكَ‏}‏، فقال وهْبُ بن منَبِّه وغيره‏:‏ المعنى‏:‏ انظر إِلى اتصال عظامِهِ، وإِحيائه جُزْءاً جُزْءاً، ويروى؛ أنه أحياه اللَّهُ كذلك؛ حتى صار عظَاماً ملتئِمَةً، ثم كساه لَحْماً، حتى كمل حماراً، ثم جاء ملَكٌ، فنفَخَ في أنْفِهِ الرُّوح، فقام الحمارُ ينْهَقُ‏.‏

ورُوِيَ عن الضَّحَّاكِ، ووهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أيضاً؛ أنهما قالا‏:‏ بل قيلَ لَهُ‏:‏ وانظر إلى حمارك قائماً في مربطه، لم يُصِبْهُ شيء مِائَةَ سَنَةٍ، قالا‏:‏ وإِنما العظامُ التي نَظَر إِلَيْها عظامُ نَفْسِهِ، وأعمى اللَّه العُيُون عنه، وعن حِمَاره طُولَ هذه المُدَّة، وكَثَّر أهْلُ القصص في صورة هذه النَّازلة تَكْثيراً اختصرته، لعدم صحته‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لِّلنَّاسِ‏}‏،

قال‏:‏ * ع *‏:‏ وفي إِمَاتَتِهِ هذه المُدَّةَ، ثم إِحيائِهِ- أعظمُ آية، وأمره كلّه آية للناس غابر الدهر‏.‏

* ت *‏:‏ قال ابن هِشَامٍ‏:‏ لا يصحُّ انتصاب «مِائَة» ب «أَمَاتَهُ»؛ لأن الإِماتة سلْبُ الحياة، وهي لا تمتدُّ، وإِنما الوجْهُ أنْ يضمَّن «أَمَاتَهُ» معنى «أَلْبَثَهُ»، فكأنه قيلَ‏:‏ فألبثه اللَّه بالمَوْت مِائَةَ عامٍ؛ وحينئذٍ يتعلَّق به الظرف‏.‏ انتهى من «المُغْنِي»‏.‏

ومعنى «نُنْشِرُهَا»، أي‏:‏ نُحْيِيها، وقرأ حمزةُ وغيره‏:‏ «نُنْشِزُهَا» ومعناه‏:‏ نرفعها، أي‏:‏ ارتفاعا قليلاً قليلاً؛ فكأنه وَقَفَ على نباتِ العظامِ الرُّفَاتِ، وقال النَّقَّاشُ‏:‏ نُنْشِزُهَا‏:‏ معناه‏:‏ نُنْبِتُهَا، ومِنْ ذلك‏:‏ نَشَزَ نَابُ البَعِيرِ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ قال هو‏:‏ أَعلَمُ أنَّ اللَّه على كلِّ شيء قديرٌ، وهذا عنْدي لَيْسَ بإِقرار بما كان قَبْلُ يُنْكِرُهُ؛ كما زعم الطبريُّ، بل هو قولٌ بَعَثَهُ الاعتبارُ؛ كما يقول الإِنسان المؤمن، إِذا رأى شيئاً غريباً مِنْ قدرةِ اللَّهِ‏:‏ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ونحْو هذا‏.‏

وأما قراءة حمزةَ والكسائي‏:‏ «قال اعلم» موصولةَ الألفِ، ساكنةَ الميمِ، فتحتمل وجهيْن‏:‏

أحدهما‏:‏ قال المَلَكُ له‏:‏ اعلم، وقد قرأ ابن مسعود، والأعمشُ‏:‏ «قِيلَ اعلم»‏.‏

والوجه الثاني‏:‏ أنْ يُنَزِّلَ نفسه منزلةَ المُخَاطَبِ الأجنبيِّ المُنْفَصِلِ، أي‏:‏ قال لنفسه‏:‏ اعلم، وأمثلةُ هذا كثيرةٌ‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏260‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‏(‏260‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال جمهور العلماء‏:‏ إِن إبراهيم- عليه السلام- لم يكُنْ شَاكًّا في إِحياء اللَّه الموتى قطُّ، وإنما طلب المعايَنَة، وأما قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ ‏"‏ فمعناه‏:‏ أنْ لو كانَ شَكَّ، لكنَّا نحْنُ أَحَقُّ به، ونحْنُ لا نشكُّ، فإِبراهيم- عليه السلام- أحرى ألاَّ يشكَّ، فالحديث مبنيٌّ على نفْيِ الشكِّ عن إِبراهيم، والذي روي فيه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ‏:‏ ‏"‏ ذَلِكَ مَحْضُ الإِيمَانِ ‏"‏؛ إِنما هو في الخواطر الجاريَةِ الَّتي لا تثبتُ، وأما الشَّكُّ، فهو توقّف بيْن أمرين، لا مزية لأحدهما على الآخرِ، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل صلى الله عليه وسلم‏.‏

وإِحياء الموتى إِنما يثبُتُ بالسمْع، وقد كان إِبراهيمُ أُعْلِمَ بذلك؛ يدلُّك على ذلك قولُهُ‏:‏ ‏{‏رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 258‏]‏، والشكُّ يبعد على مَنْ ثبت قدمه في الإِيمان فقَطْ، فكيف بمرتبة النبوَّة والخُلَّة، والأنبياءُ معصومون من الكبائرِ، ومن الصغائرِ التي فيها رذيلةٌ إِجماعاً، وإِذا تأمَّلت سؤاله- عليه السلام- وسائِرَ ألفاظ الآيةِ، لم تعط شكًّا، وذلك أنَّ الاستفهام ب «كَيْفَ»، إِنما هو عن حالِ شيء موجودٍ، ومتقرّر الوجودِ عند السائل والمسئول؛ نحو قولكَ‏:‏ كَيْفَ عِلْمُ زَيْدٍ، وَكَيْفَ نَسْجُ الثَّوْبِ‏؟‏ ف «كَيْفَ» في هذه الآية إِنما هي استفهامٌ عن هيئة الإِحياء، والإِحياءُ متقرِّر، ولما وجدنا بعض المنكرين لوجودِ شيْء قد يعبَّر عن إِنكاره بالاستفهام عن حالةٍ لذلك الشيء، يعلم أنها لا تصحُّ، فيلزم من ذلك؛ أنَّ الشيْءَ في نفْسه لا يصحُّ؛ مثال ذلك‏:‏ أنْ يقولَ مدَّعٍ‏:‏ أنا أرفَعُ هذا الجَبَلَ، فيقول المكذِّب‏:‏ كَيْفَ ترفعه، فهذه طريقة مجازٍ في العبارة، ومَعْنَاها‏:‏ تسليمٌ جدليٌّ؛ كأنه يقول‏:‏ افرض أنَّك ترفعه، أَرِنِي كَيْفَ، فَلَمَّا كان في عبارةِ الخَلِيلِ صلى الله عليه وسلم هذا الاشتراكُ المجازيُّ، خَلَّصَ اللَّه سبحانه ذلك، وحمَلَهُ على أنْ يبيّن الحقيقةَ، فقال له‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى‏}‏ فكمل الأمر، وتخلَّص من كلِّ شك، ثم علَّل- عليه السلام- سؤالَهُ بالطُّمَأْنينة‏.‏

* ت *‏:‏ قال الداووديُّ‏:‏ وعن ابن جُبَيْر‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ تُؤْمِن‏}‏ بالخُلَّة، قال مجاهدٌ، والنَّخَعِيُّ‏:‏ ‏{‏ولكن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي‏}‏، أي‏:‏ أزداد إِيماناً إِلى إِيماني، وعن قتادة‏:‏ لأزداد يقيناً‏.‏ انتهى‏.‏

قال‏:‏ * ع *‏:‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ تُؤْمِن‏}‏ معناه‏:‏ إِيماناً مطلقاً دخل فيه فصْل إِحياء الموتى، والواو‏:‏ واو حالٍ دخَلَتْ عليها ألِفُ التقريرِ، وقال‏:‏ * ص *‏:‏ الهمزة في ‏{‏أَوَلَمْ تُؤْمِن‏}‏ للتقرير؛ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ‏}‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 1‏]‏؛ وكقوله ‏[‏الوافر‏]‏

أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا ***‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏

أي‏:‏ قد شَرَحْنا لك صدرك، وأنتم خَيْر‏.‏

وقولُ ابن عطيَّة‏:‏ «الواو للحالِ، دخَلَتْ عليها ألفُ التقرير»‏:‏ متعقَّب، والظاهر أنَّ التقرير منسحبٌ على الجملة المنفيَّة فقطْ، وأن الواو للعطْف‏.‏ انتهى‏.‏

‏{‏ولِّيَطْمَئِنَّ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ ليسكُنَ، فطمأنينةُ القَلْب هي أنْ تَسْكُنَ فِكَرُهُ في الشيء المعتَقَدِ، والفِكَرُ في صورة الإِحياء غيْرُ محظورةٍ؛ كما لنا نحن اليوم أنْ نفكِّر فيها، بل هي فِكَرٌ، فيها عِبَرٌ، فأراد الخليلُ؛ أن يعاين، فتذهب فِكَرُهُ في صُورة الإِحياء؛ إِذ حرَّكه إِلى ذلك، إِما الدابَّةُ المأكولةُ في تأويل، وإِمَّا قولُ النُّمْرُوذِ‏:‏ أنا أُحْيِي وأميتُ في تأويل آخر، ورُوِيَ أن الأربعة التي أَخَذَ إِبراهيم- عليه السلام- هي الدِّيكُ، وَالطَّاوُسُ، والحَمَامُ، وَالغُرَابُ، قاله مجاهد وغيره، وقال ابن عباس‏:‏ مكان الغرابِ الكَرْكِيّ، فروي أنه أخذها- عليه السلام- حَسَب ما أمر، وذكَّاها، ثم قَطَعها قِطَعاً قِطَعاً صِغَاراً، وجمع ذلك مع الدم والرِّيش، ثم جعل من ذلك المجْمُوع المختلط جزْءاً على كلِّ جبل، ووقَفَ هو من حيثُ يرى تلك الأجزاء، وأمْسَك رُءُوس الطَّيْر في يده، ثم قال‏:‏ تَعَالَيْنَ؛ بإِذنِ اللَّه، فتطايَرَتْ تلك الأجزاءُ، وطار الدمُ إِلى الدمِ، والريشُ إِلى الريشِ؛ حتى التأمت؛ كما كانَتْ أولاً، وبقيتْ بلا رءوسٍ، ثم كرر النداء، فجاءته سعياً؛ حتى وضعت أجسادها في رءوسها، وطارتْ بإِذن اللَّه تعالى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَصُرْهُنَّ‏}‏، يقال‏:‏ صُرْتُ الشَّيْءَ، أصُورُهُ، بمعنى‏:‏ قطعته، ويقال أيضاً‏:‏ صُرْتُ الشيْءَ، بمعنى‏:‏ أَمَلْتُهُ، وقد تأوَّل المفسِّرون اللفظة بمعنى التقطيع، وبمعنى الإمالَةِ، وقد قال ابن عَبَّاس وغيره في هذه الآية‏:‏ «صُرْهُنَّ»‏:‏ معناه‏:‏ قَطِّعْهُنَّ، وقال قتادة‏:‏ صُرْهُنَّ‏:‏ فَصِّلْهن، وقال عطاء بن أبي رَبَاح‏:‏ صُرْهُنَّ‏:‏ اضممهن، وقال ابن زيد‏:‏ معناه‏:‏ اجمعهن، وعن ابن عباس أيضاً‏:‏ أوْثِقْهُن‏.‏

وقرأ قومٌ‏:‏ «فَصُرَّهُنَّ»؛ بضم الصاد، وشدِّ الراء؛ كأنه يقول‏:‏ فَشُدَّهُنَّ؛ ومنه‏:‏ صُرَّة الدَّنَانِيرِ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏261- 264‏]‏

‏{‏مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ‏(‏261‏)‏ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏262‏)‏ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ‏(‏263‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ‏(‏264‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ والله يضاعف لِمَنْ يَشَآءُ والله واسع عَلِيمٌ‏}‏ في الآية بيانُ شرفِ النفقة في سبيلِ اللَّه، وتحسينها، وضمنها التحريض على ذلك، وهذه الآيةُ في نفقة التطوُّع، وسبلُ اللَّهِ كثيرةٌ، وهي جميعُ ما هو طاعةٌ، وعائدٌ بمنفعةٍ على المسلمين، وعلى الملَّة وأشهرها وأعظمها غَنَاءُ الجهَاد؛ لتكون كَلمةُ اللَّه هي العليا، والحبَّة‏:‏ اسم جنْسٍ لكلِّ ما يزرعه ابن آدم، وأشهر ذلك البُرُّ، وقد يوجد في سنبل القمحِ ما فيه مائةُ حبَّة، وأما في سائر الحبوب، فأكثر، وقد ورد القُرآن؛ بأن الحسنة بعَشْر أمثالها؛ واقتضت الآية أنَّ نفقة الجهَادِ حسنتها بِسَبْعِمِائَةِ ضعفٍ، وبيَّن ذلك الحديث الصحيحُ، واختلف في معنى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والله يضاعف لِمَن يَشَاءُ‏}‏، فقيل‏:‏ هي مبينة، ومؤكِّدة لما تقدَّم من ذكْر السَّبْعمائَةِ، وقالت طائفة من العلماء‏:‏ بل هو إِعلام من اللَّه تعالى؛ بأنه يضاعف لِمَنْ يشاء أكْثَر من سبْعمائة ضعْفٍ‏.‏

* ت *‏:‏ وأرجحُ الأقوالِ عنْدِي قولُ هذه الطائفة، وفي الحديثِ الصحيحِ عن ابن عبَّاس، عن رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَرْوِيهِ عن ربِّه تبارَكَ وتعالى، قال‏:‏ ‏"‏ إِنَّ اللَّهَ تعالى كَتَبَ الحَسَناتِ والسَّيِّئَاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ‏.‏‏.‏‏.‏ ‏"‏ الحديثَ، رواه مسلمٌ والبخاريُّ بهذه الحروفِ‏.‏ انتهى‏.‏

وقال ابن عمر‏:‏ لمَّا نزلَتْ هذه الآيةُ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي»، فَنَزَلَتْ‏:‏ ‏{‏مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏، ‏[‏البقرة‏:‏ 245‏]‏ الآية، فَقَالَ‏:‏ «رَبِّ، زِدْ أُمَّتِي»، فَنَزَلَتْ‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 10‏]‏ ‏"‏‏.‏ وفي الآية حذفُ مضافٍ، تقديره مَثَلُ إِنفاقِ الذين، وَكَمَثَلِ ذِي حَبَّة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏، لَمَّا تقدَّم في الآية التي قَبْلَها ذِكْرُ فَضْلِ الإِنفاقِ في سبيلِ اللَّهِ علَى العُمُوم، بيَّن أنَّ ذلك إِنما هو لِمَنْ لم يُتْبِعْ إِنفاقَهُ منًّا ولا أذًى، وذلك أنَّ المنفِقَ في سبيلِ اللَّهِ، إنما يريد وجه اللَّه تعالى، ورجاء ثوابه، وأمَّا من أراد من المُنْفِقِ علَيْه جزاءً بوَجْهٍ من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجْهَ اللَّهِ تعالى، وهذا هو الذي متى أخلفه ظنه، مَنَّ بالإِنفاق وآذى، إِذ لم يكُنْ إِنفاقه مخلصاً لوجه اللَّه، فالمَنُّ والأذى مُبْطِلانِ للصَّدقة، وهما كاشفان لمقاصد المُنْفِقينَ، والمَنُّ‏:‏ ذِكْرُ النِّعمة؛ على معنى التعديدِ لها، والتقْريعِ بها، والأَذَى‏:‏ السَّبُّ والتشكِّي، وهو أعمُّ من المَنِّ، لأن المَنَّ جزء من الأذى، ولكنَّه نصَّ عليه؛ لكثرة وقوعه، وقال زيدُ بْنُ أسْلَم‏:‏ لَئِنْ ظَنَنْتَ أنَّ سلاَمَكَ يَثْقُلُ على من أنفقْتَ علَيْه، تريدُ وجْهَ اللَّه، فلا تسلِّم علَيْه، وقالَتْ له امرأةٌ‏:‏ «يا أبا أُسَامَة، دُلَّنِي على رجُلٍ يخرج في سَبِيلِ اللَّهِ حقًّا؛ فإِنهم إِنما يخرجُون؛ ليأْكُلُوا الفواكه، فإِنَّ عندي أَسْهُماً وجَعْبَةً، فقالَ لَهَا‏:‏ لاَ بَارَكَ اللَّه فِي أَسْهُمِكِ وَجَعْبَتِكِ، فَقَدْ آذيتِهِمْ قَبْلَ أَنْ تُعْطِيَهُمْ»‏.‏

وتضمَّن اللَّه الأَجْرَ للمُنْفِقِ في سبيلِ اللَّه، والأجْرُ‏:‏ الجَنَّة، ونفى عنه الخوْفَ لما يستقبلُ، والحُزْنَ على ما سَلَف من دنْياه؛ لأنه يغتبط بآخِرَتِهِ‏.‏

* ت *‏:‏ وممَّا جاء من صحيح الآثار في هذا البابِ ما رواه مالِك في «الموطَّإ»، عن ابن شِهَابٍ، عن حُمَيْد بن عَبْد الرحمنِ بْن عَوْف، عن أبي هريرة؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا على مَنْ يدعى مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يدعى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ كُلِّهَا‏؟‏ قَالَ‏:‏ نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ ‏"‏، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ في «التمهيد»‏:‏ في هذا الحديثِ من الفقْه‏:‏ ‏[‏والفضائل‏]‏ الحضُّ على الإِنفاقِ في سبل الخير، ومعنى زوجَيْنِ، أي‏:‏ شيئين من نوعٍ واحدٍ؛ نحو درهمَيْن، أو دينارَيْن، أو فرسَيْن، أو قميصَيْن، هكذا قال أهل العلْمِ، وفيه‏:‏ أَنَّ من أكثر مِنْ شيء، عُرِفَ به، ونُسِبَ إِلَيْه؛ ألا ترى إِلى قوله‏:‏ «فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ»، يريد‏:‏ مَنْ أكثر منها، فنُسِبَ إِلَيْها؛ لأن الجميع من أهل الصلاة؛ وكذلك‏:‏ مَنْ أكثر من الجهادِ، ومِنَ الصيامِ على هذا المعنى، والرَّيَّانُ‏:‏ فَعْلاَن من الرِّيِّ، ومعنى الدعاء من تلك الأبواب‏:‏ إِعطاؤه ثوابَ العامِلِينَ تلْكَ الأعمال، ونَيْلُه ذلك، واللَّه أعلم، وفيه‏:‏ أنَّ للجنَّة أبواباً، يعني‏:‏ متعدِّدة بحَسَب الأعمال‏.‏ انتهى‏.‏

وروى ابن أبي شَيْبَة في «مُسْنَدِهِ»، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أنَّ لِكُلِّ أَهْلِ عَمَلٍ بَابَاً مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ يُدْعَوْنَ فِيهِ بِذَلِكَ العَمَلِ ‏"‏ هذا لفظه على ما نقله صاحب «الكوكب الدري»‏.‏ انتهى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى‏}‏‏:‏ هذا إِخبارٌ، جزم من اللَّه تعالى أنَّ القول المعروفَ؛ وهو الدعاءُ والتأنيسُ والترجيةُ بما عند اللَّه- خير من صدقة، هي في ظاهرِهَا صدَقَةٌ، وفي باطنها لا شَيْء؛ لأن ذلك القوْلَ المعروفَ فيه أجْر، وهذه لا أجْر فيها، والمَغْفِرَة‏:‏ السَّتْر للخَلَّة، وسوءِ حالة المُحْتَاجِ؛ ومِنْ هذا قولُ الأعرابيِّ، وقد سأل قوماً بكلامٍ فصيحٍ، فقال له قائلٌ‏:‏ مِمَّنِ الرجُل‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ «اللَّهُمَّ غَفْراً، سُوءُ الاِكْتِسَابِ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِسَابِ»‏.‏

وقال النَّقَّاشُ يقال‏:‏ معناه‏:‏ ومغفرةٌ للسائلِ إِنْ أغلظ أو جفا، إِذا حُرِم‏.‏

ثم أخبر تعالى بغنَاهُ عن صدَقَةِ مَنْ هذه حالُهُ، وحلْمِهِ عَمَّن يقع منه هذا وإِمهالِهِ‏.‏

وحدَّث ‏[‏ابن‏]‏ الجَوْزِيِّ في «صَفْوة الصَّفْوَة» بسنده إِلى حارثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ الصحابيِّ- رضي اللَّه عنه- قال، لَمَّا كُفَّ بصره، جعل خيطاً في مُصَلاَّه إِلى بابِ حُجْرته، ووضع عنده مِكْتَلاً فيه تَمْرٌ وغير ذلك، فكان إِذا سأل المِسْكِين أخذ من ذلك التَّمْر، ثم أخذ من ذلك الخَيْط؛ حتى يأخذ إِلى باب الحُجْرة، فيناوله المِسْكِين، فكان أهله يقولُونَ‏:‏ نَحْنُ نَكْفِيكَ، فيقولُ‏:‏ سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏ إِنَّ مُنَاوَلَةَ المِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ ‏"‏ انتهى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ العقيدةُ أنَّ السيئات لا تبطل الحسنَاتِ، فقال جُمْهُورُ العلماء في هذه الآية‏:‏ إِن الصدقة التي يعلم اللَّه من صاحبها أنه يمنُّ بها أو يؤذِي؛ فإنها لا تُتقبَّلُ صدَقَةً، وقيل‏:‏ بل يجعل اللَّه للمَلَكِ علَيْها أمارةً، فهو لا يكتبها، قال‏:‏ * ع *‏:‏ وهذا حسنٌ؛ لأن المانَّ المُؤْذِيَ لم تكُنْ نيَّته خالصةً للَّه سبحانه، فلم تترتَّب له صدقةٌ، فهذا هو البطلانُ بالمَنِّ والأذى، وهما لا يبطلان صدَقَةً غيرها سالمةَ النية‏.‏

ثم مثَّل اللَّه سبحانه هذا الَّذي يَمُنُّ ويؤذي بحَسَب مقدِّمه نيته؛ بالذي ينفقُ رياءً، لا لوجْه اللَّه، والرِّيَاءُ‏:‏ مصدرٌ من «فَاعَلَ» من الرؤية‏:‏ كأنّ الرياءَ تظاهُر، وتفاخُر بيْن من لا خير فيه من الناس‏.‏

قال المَهْدَوِيُّ‏:‏ والتقدير‏:‏ كإِبطال الذي ينفقُ ريَاءً‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر‏}‏ يحتمل أنْ يريد الكافر أو المنافق؛ إِذْ كلٌّ منهما ينفق؛ ليقال‏:‏ جَوَاد، ثم مثَّل سبحانه هذا المُنْفِقَ رياءً بِصَفْوَانٍ عليه ترابٌ، فيظنه الظانُّ أرضاً منْبِتَةً طيِّبةً؛ كما يظنُّ قومٌ أنَّ صدقة هذا المرائي لها قَدْر، أو معنًى، فإِذا أصاب الصَّفْوَانَ وابلٌ من المَطَر، انكشف ذلك التُّرَاب، وبقي صَلْداً، فكذلك هذا المرائي، إِذا كان يوم القيامة، وحضرت الأعمال، انكشَفَ سرُّه، وظهر أنه لا قَدْر لصدَقَاته، ولا مَعْنَى، والصَّفْوَانُ‏:‏ الحَجَر الكبيرُ الأملَسُ، والوَابِلُ‏:‏ الكثير القَوِيُّ من المَطَر وهو الذي يُسَيِّلُ وجْهَ الأرْضِ، والصَّلْدُ من الحجارة‏:‏ الأملَسُ الصُّلْب الذي لا شيْء فيه، ويستعار للرأسِ الذي لا شَعْرَ فيه‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ يَقْدِرُونَ‏}‏ يريد‏:‏ الذين يتفقُونَ رياءً، أي لا يقدرون على الاِنتفاع بشيء من إنفاقهم ذلك، وهو كَسْبهم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين‏}‏ إِما عمومٌ يراد به الخصوصُ، ويحتمل لا يهْدِيهِمْ في كفرهم؛ إِذ هو ضلالٌ محضٌ، ويحتمل‏:‏ لا يهديهم في صدَقَاتِهِم، وأعمالِهِم، وهم على الكُفْر‏.‏